‫الرئيسية‬ Around the world تونس / عادل الجريدي في *اشجار تودع ظلالها* مجموعة قصصية تفتح جراح الواقع وتوقظ اسئلة الإنسان

تونس / عادل الجريدي في *اشجار تودع ظلالها* مجموعة قصصية تفتح جراح الواقع وتوقظ اسئلة الإنسان

تونس / كتب الاعلامي لطفي حريز المبعوث الخاص لصحيفة ومجلةوقناة الموعد الجديد العالمية

عادل الجريدي في ” أشجار تودّع ظلالها “

 قصص قصيرة تفتح جراح الواقع وتوقظ أسئلة الإنسان

حين تتحوّل الكتابة إلى فعل مقاومة، وتصبح المفارقة وسيلة لكشف المستور

لا تحتاج الحكاية دائما إلى صفحات طويلة كي تقول ما يعجز الكلام المباشر عن التعبير عنه؛ فقد تكفي جملة واحدة لتكشف تناقضا اجتماعيا، أو تستحضر وجعا إنسانيا، أو تضع القارئ أمام حقيقة طالما حاول تجاهلها. من هذا المنطلق، يقدّم عادل الجريدي في مجموعته القصصية “أشجار تودّع ظلالها” تجربة سردية تقوم على الاختزال وتراهن على عمق المعنى، من خلال ثمانين قصة قصيرة جدا تتقاطع فيها هموم الإنسان مع أسئلة المجتمع وتحولاته.

في هذه المجموعة، لا يبدو القصر السردي مجرد اختيار فني، بل يتحوّل إلى وسيلة لتكثيف التجربة الإنسانية وتعرية التناقضات التي تحكم الواقع، فالجريدي لا يسعى إلى بناء عوالم مكتملة التفاصيل بقدر ما يلتقط لحظات دالة، ويعيد ترتيبها داخل نصوص تترك للقارئ مهمة اكتشاف ما تخفيه الكلمات، ومن خلال هذا المسار، تتقدّم المفارقة بوصفها عنصرا مركزيا في الكتابة، تكشف ما وراء المظاهر، وتفضح المسافة الفاصلة بين الخطاب والواقع، وبين الأحلام التي يحملها الإنسان والظروف التي تحاصره.

من رموز التراث إلى أوجاع الحاضر

يستثمر الكاتب رصيده الثقافي في استحضار شخصيات وإشارات تنتمي إلى التراث والأدب والفن والأسطورة، لكنه لا يتعامل معها باعتبارها شواهد على الماضي أو مظاهر للزخرفة المعرفية، وإنما يوظفها في قراءة الحاضر ومساءلة تحولاته، ومن خلال إعادة تشكيل هذه المرجعيات، يضع الموروث في مواجهة واقع تتغير فيه القيم، وتضطرب فيه المعايير، وتفقد فيه بعض الرموز دلالاتها الأصلية.

وتكشف الإشارة إلى عنترة، الذي تضيع قصيدته وسط أجواء الفرجة، عن مفارقة تتجاوز الشخصية التراثية إلى مساءلة واقع قد تتحوّل فيه الكلمة إلى مادة للاستهلاك، ويهمّش فيه الإبداع لحساب مظاهر الاستعراض، فالشخصية التي ارتبطت بالشعر والفروسية تجد نفسها في سياق مختلف، تتبدّل فيه مكانة الكلمة وتختزل فيه القيمة أحيانا في قدرتها على جذب الانتباه.

بهذه الطريقة، لا يستعيد عادل الجريدي الماضي لاستحضار أمجاده، بل يعيد وضعه أمام مرآة الحاضر، مستفيدا من المفارقة لخلق مسافة نقدية بين ما تمثّله الرموز وما آلت إليه دلالاتها في واقع متحوّل.

الإنسان في مواجهة الإقصاء والفقد

لا تنحصر الأسئلة التي تطرحها المجموعة في المجال الثقافي أو الجمالي، بل تمتد إلى قضايا اجتماعية وإنسانية تتصل بالفقر والتهميش والإقصاء، ففي بعض النصوص، يظهر الإنسان محاصرا بسياسات وظروف تحدّ من فرصه، وتدفعه إلى مواجهة واقع لا يمنحه دائما ما يستحقه من كرامة وعدالة، وهنا تتجاوز الحكاية الفردية حدودها الضيقة لتصبح مدخلا إلى قراءة اختلالات المجتمع، وما تخلّفه من شعور بالعجز والخذلان.

وإلى جانب هذه الأبعاد الاجتماعية، تحضر الذاكرة الشخصية بما تختزنه من تجارب الفقد وأوجاع الماضي، فالإنسان في عالم الكاتب لا يعيش اللحظة الراهنة منفصلا عما سبقها، إذ تظل الذكريات جزءا من تكوينه، وقد تتحوّل الخسارات القديمة إلى جراح تستمر آثارها حتى بعد انقضاء أسبابها المباشرة، ومن هنا تنشأ إحدى المفارقات الإنسانية التي تلوح في المجموعة: قد ينتهي الحدث، لكن أثره يبقى حيا في الوجدان، وقد يغيب الأشخاص عن الواقع فيما تواصل الذاكرة الاحتفاظ بهم.

ولا يبدو الحب، بدوره، بمنأى عن هذه المسافة بين الرغبة والواقع، فالمشاعر التي يعجز الإنسان أحيانا عن تحقيقها في حياته اليومية قد تجد سبيلا إلى البقاء في الذاكرة، وكأن الكتابة تمنحها فرصة أخرى للوجود، وإن كان وجودا محاطا بالحسرة والحنين.

غزة… حين تتحوّل الطفولة إلى موقف إنساني

من أكثر الأبعاد دلالة في المجموعة حضور القضية الفلسطينية، وتحديدا معاناة غزة تحت الحصار، ففي صورة مكثفة، تتحوّل أنامل طفل إلى أسطول يسعى إلى فك الحصار، لتتجاوز الصورة حدود المشهد الواقعي وتكتسب قوة رمزية لافتة.

إنها مفارقة تجمع بين هشاشة الطفل وضخامة المهمة التي يحملها خياله، وبين محدودية الإمكانات واتساع الحاجة إلى الفعل. فالأنامل الصغيرة، التي يفترض أن تنشغل باللعب والتعلّم واكتشاف العالم، تصبح في المخيال القصصي أداة لمقاومة العجز واستحضار الأمل، وبهذا التشكيل، يمنح الكاتب الطفولة دورا يتجاوز البراءة الفردية، لتغدو رمزا للإرادة الإنسانية في مواجهة الحصار، وللقدرة على ابتكار صور للمقاومة حين تضيق السبل الواقعية.

ولا يأتي هذا البعد منفصلا عن بقية موضوعات المجموعة؛ فالفقر والإقصاء والفقد والحصار تتقاطع جميعها عند سؤال الإنسان عن حقه في الحياة الكريمة، وعن قدرته على حماية أحلامه من الانكسار، وبذلك تتسع جغرافيا النصوص لتشمل تجارب متباينة، يجمع بينها انشغال واضح بمصير الإنسان في مواجهة أشكال متعددة من الحرمان.

لغة مقتصدة ودلالات تتجاوز حدود الحكاية

على المستوى الفني، تستمد المجموعة خصوصيتها من العلاقة بين قلة الكلمات واتساع المعنى. فالجريدي، الذي يحمل حساسية الشاعر إلى فضاء القصة، يمنح الصورة دورا أساسيا في بناء النص، ويترك للإيحاء أن يؤدي ما لا تحتاج إليه الحكاية من شرح مباشر، وتبدو اللغة هنا أقرب إلى ومضة تضيء جانبا من التجربة ثم تترك ما تبقى مفتوحا أمام التأويل.

غير أن التكثيف لا يعني الاكتفاء بالحذف أو تقليص عدد الكلمات، بل يقوم على انتقاء التفاصيل القادرة على حمل أكثر من دلالة، فقد ينطلق النص من موقف بسيط، أو صورة عابرة، أو مفارقة تبدو للوهلة الأولى مثيرة للابتسام، ثم ينتهي إلى سؤال أعمق يتصل بالحرية أو الاغتراب أو الموت أو الحب، وهكذا تتحوّل النهاية المفاجئة من مجرد أداة للتشويق إلى وسيلة لإعادة النظر في الحكاية كلها، إذ تدفع القارئ إلى مراجعة ما قرأه واكتشاف المعنى الكامن خلف ظاهره.

وفي هذا السياق، تتجاوز السخرية وظيفتها الإضحاكية لتلامس السخرية السوداء، حيث يتجاور الضحك مع الألم، وتنكشف خلف المواقف الطريفة حقائق موجعة، فالمفارقة لا تقدّم للمتلقي فرصة للهروب من الواقع، بل تجعله أكثر انتباها إلى تناقضاته، وتحوّل الدهشة إلى مدخل للتفكير والمساءلة.

عنوان يختزل فلسفة الغياب والبقاء

يحمل عنوان “أشجار تودّع ظلالها” دلالة تتجاوز صورته الشعرية المباشرة، فالشجرة، التي ترتبط عادة بالجذور والثبات والعطاء، تظهر هنا في لحظة افتراق عن ظلّها، أي عن أحد أبرز آثار حضورها في المكان. وتفتح هذه الصورة بابا للتأويل: ماذا يبقى من الكائن حين يفقد ما كان يمنحه امتداده ومعناه؟ وهل يمثّل الظلّ شيئا عابرا يمكن الاستغناء عنه، أم أثرا لا تتضح قيمة الأصل إلا من خلاله؟

يمكن قراءة العنوان بوصفه استعارة لعالم تتعرض فيه الكائنات والأحلام والأوطان لخسارات متتابعة، فتفقد بعض ما يمنحها الإحساس بالاكتمال، من دون أن يعني ذلك زوالها التام، فالأثر قد يظل قائما حتى بعد غياب صاحبه، والذاكرة قد تحتفظ بما عجز الواقع عن صونه، والكتابة قد تصبح مساحة أخيرة لمقاومة النسيان.

ومن هذه الزاوية، ينسجم العنوان مع طبيعة القصص التي تضمها المجموعة، إذ تنطلق النصوص من لحظات صغيرة، لكنها تفتح على أسئلة كبرى تتصل بمعنى الوجود، وحدود الحرية، ووطأة الفقد، وإمكان الاحتفاظ بالأمل في عالم تتنازعه التناقضات.

كتابة تنتهي على الورق وتستمر في الذاكرة

تقدّم “أشجار تودّع ظلالها” تجربة قصصية تجعل من الإيجاز وسيلة لتوسيع الرؤية، ومن المفارقة أداة لقراءة الواقع، ومن الصورة الشعرية منفذًا إلى أعماق التجربة الإنسانية، وبين استدعاء التراث، وكشف مظاهر الإقصاء، واستحضار الذاكرة والفقد، والانحياز إلى معاناة غزة، تتشكّل عوالم متعددة تلتقي عند مركز واحد هو الإنسان، بما يحمله من هشاشة وقدرة على المقاومة، ومن أحلام تصطدم بالواقع لكنها لا تفقد بالضرورة قدرتها على البقاء.

ولا تكمن أهمية هذه النصوص في الحكايات التي ترويها فحسب، بل في الأسئلة التي تتركها معلّقة بعد انتهائها، فالقارئ لا يواجه نهايات مغلقة بقدر ما يجد نفسه مدعوا إلى استكمال المعنى، وربط الصورة بسياقها، والبحث عن الدلالة التي لا تظهر كاملة من القراءة الأولى.

وهكذا، يراهن عادل الجريدي على أن النص القصير قادر على إحداث أثر طويل، وأن ومضة السرد قد تكون أشد نفاذا من حكاية ممتدة، متى امتلكت قدرتها على ملامسة الجرح الإنساني وكشف تناقضات العالم. ففي “أشجار تودّع ظلالها”، لا تنتهي القصة بالضرورة عند آخر كلماتها، إذ تظل بعض صورها وأسئلتها ترافق القارئ، مثل ظلال أشجار غادرت مكانها، لكنها تركت في الذاكرة أثرا يصعب محوه.

‫شاهد أيضًا‬

مكتب الكويت/ منصة سطور الثقافية ونادي روح القرائة تنضمان * حقيبة القارئ*

مكتب الكويت كتب دكتور عابدين البرادعي ((حقيبة القارئ))   مكتب الكويت كتب دكتور عابدين…