‫الرئيسية‬ Around the world مصر / قصة قصيرة/ *يريدها أقل* بقلم الكاتب المصري سعد جمعة

مصر / قصة قصيرة/ *يريدها أقل* بقلم الكاتب المصري سعد جمعة

قصة قصيرة

يُريدُها أقل

بقلم / سعد جمعة

في مدينة تطفئ أنوارها كي تنام، ولا تنام، كان يعيش شاباً يحمل بين ضلوعه جرحاً نفسياً تقادم ولم يشفِ. كلما اقترب من امرأة، انفتح الباب على كلمة واحدة: لا
الأولى قالت إنه لم ينضج بعد. والثانية قالت إنها تنشد شيئاً آخر. أما الثالثة فلم تقل شيئاً، وكان صمتها أوقع في نفسه من كل قول.
وفي كل مرة، كان يعود إلى غرفته، يقف أمام المرآة ويسألها: أين العيب؟
فتتثاءب المرآة في وجهه، كما تتثاءب الأشياء التي لا تملك جواباً.
ثم جاءت هي.
كانت أول فتاة تقول له نعم هادئة كأنوار الصباح، تعمل في مكتبة صغيرة، وتُدمن القراءة . وحين تقدم إليها، أطالت النظر في عينيه، ثم ابتسمت وقالت:
– حسناً موافقة،
شكل وجدانها بكلمات رومانسية معسولة
بعض كلمات، لكنها بدت له كأنها أغلقت أبواب عطش طويل.
بدأ في الأيام الأولى، كأن يعيش حلماً تأخر كثيراً. يحمل لها الورد، يكتب لها الرسائل، ويتأمل ضحكتها كما يتأمل المرء شيئاً نادراً يخشى أن يفقده. كان يمشي إلى جوارها بحذر كمن يحمل إناءً من بلور.
وكانت هي سعيدة به، أو هكذا ظنت!.
لكن شيئاً غامضاً بدأ يتسلل إلى قلبه، كدودة صغيرة في تفاحة حمراء.
بدأ يرى أشياء لم يكن ينتبه إليها من قبل.
رآها تضحك مع زميل لها في المكتبة، فتساءَل عن سبب تلك الضحكة الطويلة. ورأى الناس يثقون برأيها، ومديرها يثني على عملها، وصديقتها تستشيرها في شؤون الكتابة والنشر. ثم علم أن إحدى قريباتها افتتحت مشروعاً صغيراً ونجحت فيه.
كان يسمع أخبار نجاح الآخرين ببرود، لكنه حين يتعلق الأمر بها، يشعر بشيء ينقبض في صدره.
لم يكن يعرف لماذا، أو أنه كان يعرف، لكنه لم يشأ أن يسمي الأشياء بأسمائها.
.. ذات مساء، عادت إلى البيت وعيناها تحملان نوراً لم يألفه فيها. وضعت حقيبتها، وجلست أمامه، ثم أمسكت بكفه وقالت بحماسة حاولت أن تخفي ارتجافها:
– لقد حصلت على التمويل!
نظر إليها دون أن يفهم.
أكملت وهي تبتسم:
– سأفتح مكتبتي الخاصة في الشارع الرئيسي. وسأضيف إليها دار نشر صغيرة، نطبع من خلالها كتب الكتّاب الجدد الذين لا يجدون فرصة للنشر. وسنقيم أمسية قراءة كل خميس. تخيل! مكتبة حقيقية، لها باب ورفوف وأناس يدخلون ويخرجون.
كانت تتحدث كما لو أنها تفتح نافذة على عالم طالما حلمت به.
أما هو، فسحب كفه بهدوء وقال:
– مكتبة في الشارع الرئيسي؟ الإيجار هنا جنون. والمنافسة شديدة. هذا ليس مشروعاً، هذا لعب.
خفتت ابتسامتها قليلاً.
قالت:
– لكنني درست الأمر جيداً، وهناك خطة واضحة، والتمويل سيغطي جزءاً كبيراً من التكاليف.
هز رأسه، ثم انشغل بهاتفه.
لم تجادله. اكتفت بالنظر إلى وجهه، كأنها تحاول العثور على الرجل الذي كان يجلس أمامها قبل أشهر، ويصغي إلى أحلامها بعينين تلمعان.
في الأيام التالية، لم يتوقف الأمر عند ذلك المساء.
حين أخبرته أنها ستقدم عرضاً أمام لجنة التمويل، قال لها:
– لن تنجحي. أنت لا تعرفين كيف تتحدثين أمام الناس.
وحين عادت متعبة بعد يوم طويل من ترتيب الرفوف، قال:
– كل الناس تتعب. أنت فقط تبالغين.
وحين أخبرته أن أول كاتب وافق على نشر كتابه معها، ابتسم بسخرية:
– وما الذي ستجنيه من نشر كتب لا يعرفها أحد؟.
كانت تحاول أن تشاركه فرحتها، فيبحث لها عن ثغرة في كل فرح. وكانت تروي له نجاحاً صغيراً، فيرد عليها بقائمة من المخاوف والاحتمالات السوداء.
ومع الوقت، بدأت تختصر حكاياتها، فبعض الازواج مجرد سماعهم خبر النجاح يثير غضبهم كلما سمعوا به!
لم تعد تخبره بكل ما يحدث في المكتبة، ولم تعد تتحدث عن الأفكار التي تملأ رأسها. وحين يسألها عن يومها، تقول:
– كان عادياً.
كان يظن أنها أصبحت أكثر هدوءاً، ولم ينتبه إلى أنها بدأت تطفئ النور الذي كان يزعجه.
ثم افتتحت المكتبة أبوابها.
في يومها الأول، حضر الأطفال، وجاءت الأمهات، وامتلأ المكان بأصوات صغيرة تقلب الصفحات وتبحث عن حكاياتها المفضلة. وعلّقت هي لافتة متواضعة فوق الباب، ووقفت أمامها تلتقط صورة، كأنها تريد أن تحفظ اللحظة قبل أن تمر.
عادَت إليه مساءً، تحمل صوراً كثيرة وحكايات أكثر.
قالت له:
– لم أصدق أن المكان سيمتلئ هكذا! حتى الأطفال طلبوا أن نخصص لهم ركناً للحكايات.
نظر إلى الصور في هاتفها، ثم أعاد الهاتف إليها قائلاً:
– نجاح صغير. لا يعني شيئاً. المهم هو الأستمرارية..
كانت تنتظر منه كلمة أخرى. كلمة تشبه تلك التي كان يقولها في البدايات.
لكنها لم تأتِ.
وفي إحدى الأمسيات، حاولت أن تقترب منه كما كانت تفعل سابقاً. وضعت رأسها على كتفه وسألته:
– هل أنت سعيد بما حققته؟.
قال دون أن ينظر إليها:
– أنا سعيد من أجلك.
رفعت رأسها قليلاً.
– من أجلي؟ أم لأنك لا تستطيع أن تقول إنك فخور بي؟.
التفت إليها، وضاق وجهه.
– لماذا تحولين كل شيء إلى مشكلة؟ أنا فقط أقول الحقيقة.
ابتعدت عنه، ولم ترد.
وفي تلك الليلة، أدركت أن العاطفة تتآكل شيئاً فشيئاً بينهما.
بعد أيام، كانت تجلس إلى مكتبها في المكتبة، تكتب في دفترها. اقترب منها، فوجدها غارقة في الكتابة. ألقى نظرة على الصفحة، وقرأ:
.. أحياناً أظن أنني أحب شخصاً لم يعد موجوداً. الشخص الذي تقدم لي أول مرة كان يبتسم حين أتحدث، ويصغي حين أحلم. الآن، يقطب وجهه حين أضحك، ويصمت حين أنجح، كأن فرحي إهانة موجهة إليه.
توقف عند الكلمات.
قال:
– لماذا تكتبين هذا؟.
رفعت رأسها ونظرت إليه طويلاً، كأنها تراه للمرة الأولى.
ثم قالت:
– لأنني أحاول أن أفهم. لماذا حين قلت لك نعم، بدأت تبحث عن كل سبب لتحول نعم إلى لا؟.
لم يجب.
أغلقت الدفتر برفق، ثم تابعت:
– كنت أظن أنك تريد امرأة تحبك. لكنني بدأت أكتشف أنك تريد امرأة تحتاج إليك أكثر مما تؤمن بنفسها. امرأة لا تتجاوزك، ولا تسبقك، ولا تملك من النور و الوعي ما يجعلك ترى ظلك.
حاول أن يقاطعها، لكنها رفعت يدها في هدوء.
– أنا لم أفتح مكتبة لأقزمك. ولم أبدأ مشروعاً لأثبت أنني أفضل منك. فعلت ذلك لأنني أحب الكتب، ولأنني أؤمن أن المعرفة كالشمس، تتسع للجميع. لكنك رأيت في نجاحي مرآة، لا نافذة.
سكت قليلاً، ثم قال:
– أنت لا تفهمين ما أمر به. لقد رُفِضت كثيراً، وأنت تعرفين ذلك. كنت أحتاج إلى من يشعرني أنني كافٍ.
نظرت إليه بحزن لم يكن فيه غضب.
– أعرف. ولهذا حاولت أن أكون إلى جوارك. لكنني لا أستطيع أن أقضي عمري أعتذر عن نجاحي كي تشعر أنك كافٍ.
كانت جملتها الأخيرة هادئة، لكنها أصابت شيئاً عميقاً فيه.
أراد أن يقول إنه يحبها، وأنه لم يقصد إيذاءها، وأن خوفه أكبر منه. أراد أن يدافع عن نفسه، أن يبرر، أن يستعيد تلك الأيام التي كانا فيها سعيدين.
لكن الكلمات ازدحمت في حلقه، ولم تخرج.
في الصباح، كانت قد رحلت.
لم تترك خصاماً، ولا رسالة طويلة، ولا عتاباً أخيراً. تركت دفترها على المكتب، وبجواره ورقة صغيرة كُتب فيها:
.. أنا لم أرفضك. أنت من رفضني. ليس لأنك لم تحبني، بل لأنك لم تحب نفسك بما يكفي لتتحمل نجاحي. كنت أريد أن نمضي معاً، لا أن أصغر كي تبدو أكبر. ابحث عن الظل الذي يُخيفك، سيطر علي غريزة التملُك داخلك، لا تحاول ان تثبت أنك مُسيطر ليل نهار قبل أن تبحث عن حب جديد.
جلس وحده في الغرفة.
كانت المدينة في الخارج تستعد لليل آخر، تطفئ أنوارها كي تنام، ولا تنام!.
نظر إلى المرآة التي اعتاد أن يسألها عن عيبه.
لكنه هذه المرة لم يسأل.
نهض ببطء، واتجه نحو النافذة. انوار الشارع تتسلل إلى الغرفة، وترسم على الحائط الأبيض ظلاً طويلاً.
تأمله طويلاً.
كان ظله.
ولأول مرة، لم يحاول أن يهرب منه.
القاهر- الاربعاء
4/11/2026

‫شاهد أيضًا‬

تونس / عادل الجريدي في *اشجار تودع ظلالها* مجموعة قصصية تفتح جراح الواقع وتوقظ اسئلة الإنسان

تونس / كتب الاعلامي لطفي حريز المبعوث الخاص لصحيفة ومجلةوقناة الموعد الجديد العالمية عادل …