‫الرئيسية‬ Around the world مكتب أستراليا / ربما لأنني صبية … بقلم شهلاء شاكر
Around the world - Variety - أستراليا سيدني - ‫‫‫‏‫10 ساعات مضت‬

مكتب أستراليا / ربما لأنني صبية … بقلم شهلاء شاكر

مكتب أستراليا كتبت الاعلامية شهلاء شاكر

مقال: ربما… لأنني صَبِيّة

بقلم / شهلاء شاكر

19/5/2026 – Tuesday

بمناسبة انقضاء عيد (دهفا ديمانة)

كل عام وكل صابئة العالم بألف خير

ذاتَ يومٍ استوقفني جرحٌ من جروحي العديدة، وربما القديمة… جرحٌ ترك في أعماق نفسي البريئة الكثير والكثير من علامات الاستفهام والسؤال، وأنا لا أزال طفلةً صغيرة تلهو مع بقية البنات.

واليوم، وأنا في هذا العمر، أسأل نفسي:

هل الكفر والوثنية والنجاسة تكمن في قلب وعقل كل إنسان يؤمن بأن معتقداته ودينه أفضل من معتقدات غيره؟

ومن يدّعي حقوق الإنسان ويرى الظلم ولا يساعد المظلوم، فهو شيطانٌ أخرس.

أنا عراقية وأفتخر، مندائية الأصل، ولي الشرف بذلك. ديانتي الصابئية من أقدم الديانات التوحيدية في العالم.

منذ طفولتي وأنا أسمع كلمات التفرقة والتمييز الديني والعقائدي، وكانوا ينعتونني بـ”الصبيّة النگسة”، أي غير النظيفة، وكأنني أحمل أوبئة العالم وجراثيمه.

عشتُ في العراق، الذي يشكّل المسلمون فيه نسبة كبيرة من السكان، ولم أكن أفهم لماذا كانت بنت الجيران، ذات الخمسة عشر عامًا، تركض خلفي وتضربني وتشدّ شعري الناعم كلون الشمس، وهي تصرخ:

“شهلاء الصبيّة النگسة”.

أتذكر عندما كبرتُ وتعمدتُ في مياه دجلة الخالد، وأنا أرتدي ملابسي البيضاء، وغصن الآس يزيّن إصبعي، والشيخ يمسك بيدي ليساعدني على النزول إلى الماء الجاري، ثم يأخذ من الماء ويرشّه على رأسي وأنا أرتجف بردًا…

وفجأةً، تلقيتُ ضربةً بحجرٍ أصابت وجهي وأسناني، من شخصٍ كان يقف مع مجموعة من الناس من مختلف الأعمار، فوق الجسر الممتد فوقنا، وهم يصرخون:

“هذوله الصُبّة النگسين”.

كان ذلك في أواخر سبعينيات القرن الماضي…

لا أستطيع أن أصف لكم ما فعله ذلك الجرح الغائر في وجهي وأسنانـي، ذلك الجرح الذي لوّن المياه الزرقاء الصافية بالأحمر، بلون الدم، وما تبعه من خوفٍ وألمٍ في قلب أبي الحبيب وأمي الغالية، أطال الله بعمرهما الكريم.

سنوات طويلة مضت، وما زلت أشعر بمرارة التمييز من بعض الجهلة والمتخلفين، الذين لا مكان للحب والتسامح في قلوبهم. وهنا أكرر: ليسوا جميعًا، بل قلة قليلة، لكنها آذت الأقليات وأصحاب الديانات الأخرى بمختلف أنواع الإهانة والاحتقار والإذلال.

وأتذكر، وأنا طفلة صغيرة، كيف كان بيتنا مفتوحًا لكل جيراننا وأحبّتنا من المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وكيف كان مطبخ أمي عامرًا بأشهى الأكلات العراقية؛ الباچة، والبرياني، والدولمة، والبط، والسمك المشوي، والطرشي الأحمر، وأنواع الكبة، وخبز التنور العراقي، وشاي الفحم بطعم الهيل.

وأتذكر كيف كانت الأعراس تخرج من بيتنا، وكيف كان بيت أهلي بيتًا كبيرًا للجميع، وكيف كانت جلسات النساء في حديقة دارنا مليئة بالمحبة والصفاء والمودة.

وأتذكر عودة أبي من محل صياغة الذهب الذي يملكه، محمّلًا بالخضار والفواكه واللحوم والحلويات والهدايا لنا ولجيراننا الطيبين، وكيف كنا نتسابق أنا وإخوتي وأخواتي لاستقباله ومساعدته في حمل الأكياس والهدايا.

نعم… هكذا كانت علاقاتنا ومحبتنا وتراحمنا.

فنحن لم نكن يومًا نجسين أو ملوثين أو خالين من الطهارة، لأن الطهارة، أحبتي، تكمن في العقل والتفكير، وليست في الدين أو المعتقد.

فكل الديانات هي من عند الله عز وجل، وكلها ذُكرت في الكتب المقدسة منذ بداية الخليقة وحتى القرآن الكريم.

نعم أحبتي، الديانة الصابئية ديانة توحيدية، تؤمن بالحي العظيم، وهو الله، ومن يكفّر عباد الله فهو الكافر الحقيقي.

وهل تعلمون أننا من السكان الأصليين للعراق؟

وهل تعلمون أن شهر رمضان هو شهر الطاعة والغفران للمسلمين، ولنا أيضًا كصابئة مندائيين أيام نصومها حبًا وامتثالًا لأمر الله الحي العظيم؟

لم أفكر يومًا أنني “شهلاء الصبيّة النگسة”، بل كنت ولا أزال أقول لنفسي:

أنا شهلاء الصابئية، المسيحية، المسلمة، الإيزيدية، العربية، الكردية، والتركمانية… والأهم من كل ذلك:

أنا شهلاء العراقية المندائية.

وهذا هو سر فخري وحبي لكل الناس.

نعم، أفتخر بكوني مندائية، لأن ديني لم يُجبر أحدًا على الدخول إليه، ولم يحارب الأديان الأخرى، ولم يحرّض يومًا على قتل الأخ لأخيه أو التفريق بين البشر تحت مسميات الأصل أو العرق أو الدين.

نعم… أنا المندائية المؤمنة بالحي العظيم، الحي الأزلي، المزكّي، المهيمن، الرحيم، الغفور، لأن الله الحي العظيم انبعث من ذاته، وبأمره وكلمته تكوّنت جميع الخلائق والملائكة التي تمجده وتسبحه في عالمها النوراني.

فهل عرفتم الآن من أنا؟

نعم… أنا شهلاء العراقية الصابئية، والصابئة هم أهل الصباغة، وأهم طقوسنا هو “الاصطباغ” بالماء الجاري النظيف، ففيه سر الحياة والعطاء.

فالاصطباغ هو التعميد والطهارة للجسد والفكر والروح…

فهل عرفتم الآن لماذا أنا صَبِيّة؟

‫شاهد أيضًا‬

تونس/ اعشاب تونسية بروح الريف.. حين تلتقي الطبيعة بجودة العناية والتراث

    تونس/ كتب المبعوث الخاص لصحيفة وقناة ومجلة الموعد الجديد العالمية الاعلامي ا…