الرئيسية New date World العراق مكتب بغداد/ عبد الكريم ابراهيم الحبير.. حين تتحول الارادة الى ذاكرة لمدينة
العراق مكتب بغداد/ عبد الكريم ابراهيم الحبير.. حين تتحول الارادة الى ذاكرة لمدينة
عبد الكريم إبراهيم الجبير… حين تتحوّل الإرادة إلى ذاكرةٍ لمدينة.
بقلم
الدكتور
كاظم جمعة الغزي
في مدن الجنوب، حيث تختلط رائحة الطين بحكايات الناس، يولد بعض الرجال لا ليكونوا عابرين في المكان، بل ليكونوا صوتًا له ومرآةً لذاكرته. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الكاتب عبد الكريم إبراهيم الجبير (1938–2025)، الذي لم تصنعه الشهادات بقدر ما صنعته التجربة، ولم تحدّه الظروف بقدر ما دفعته ليصنع لنفسه طريقًا مختلفًا، طريق المعرفة والكتابة والتأريخ.
وُلد الجبير عام 1938 في مدينة العمارة، وتحديدًا في قضاء المجر الكبير، حيث بدأ خطواته الأولى في مسيرته التعليمية، فأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة هناك. كانت المدرسة بالنسبة له أكثر من مجرد مكان للتعلّم؛ كانت بوابةً لتشكّل وعيه، خصوصًا بتأثره العميق بأساتذته، ومنهم الأستاذ الراحل حسين ملا علوان، الذي ترك في نفسه أثرًا واضحًا وأسهم في توجيه اهتماماته نحو المعرفة والقراءة.
كان حلم الدراسة الجامعية يلوح أمامه كأفقٍ واسع، لكنه اصطدم بواقعٍ لم يكن سهلًا تجاوزه. فباعتباره الأخ الأكبر، وجد نفسه أمام مسؤوليات أسرية فرضت عليه ترك الدراسة استجابةً لرغبة والده والمساهمة في إعالة الأسرة. كان القرار قاسيًا، أشبه بصاعقة نزلت على طموحه، إلا أنه اختار أن يوازن بين برّ الوالد والحفاظ على جذوة حلمه، فاحترم إرادة أبيه دون أن يطفئ شغفه بالعلم.
لم يكن العمل نهاية الطريق، بل كان بداية مرحلةٍ أخرى من التحدي. فقد واصل الجبير مسيرته الذاتية في التعلّم، معتمدًا على القراءة والبحث، فاقتنى الكتب بشغف، وجعل منها رفقاء دربه. ومع مرور الوقت، كوّن مكتبة غنية ضمّت بين رفوفها كتبًا في الشعر والتاريخ والأدب، لتصبح هذه المكتبة عالمه الخاص ومنطلقه نحو الكتابة والتأريخ.
ومن هذا المخزون المعرفي، انطلق الجبير ليؤدي دورًا مهمًا في توثيق تاريخ مدينته. فقد كرّس جهده لتأريخ قضاء المجر الكبير، حتى عُدّ من أبرز من كتبوا عن تاريخ هذه المنطقة. وجاء كتابه “الكنز الكبير في قضاء المجر الكبير” شاهدًا حيًا على هذا الجهد، إذ قدّم فيه سردًا غنيًا لحياة أهل القضاء منذ تأسيسه في القرن التاسع عشر، موثقًا تفاصيلهم الاجتماعية والإنسانية، ومحافظًا على ذاكرة المكان من الضياع.
وفي عام 2025، رحل عبد الكريم الجبير بعد مسيرة حافلة بالعطاء، تاركًا خلفه إرثًا ثقافيًا وإنسانيًا يروي قصة رجلٍ آمن بأن العلم لا تحدّه الظروف، وأن الكلمة قادرة على أن تهزم النسيان.
وفي الختام، يبقى الجبير شاهدًا على أن المدن لا تُحفظ بجدرانها فقط، بل بأبنائها الذين يكتبون تاريخها ويصونون ذاكرتها. لقد اختار أن يكون واحدًا من هؤلاء، فترك أثرًا لا يُمحى، وكتب اسمه في سجل المجر الكبير لا كأحد أبنائها فحسب، بل كأحد حرّاس ذاكرتها الأوفياء.
العراق مكتب بغداد/ كلمات وفاء لقامة خدمت العدالة باخلاص
العراق مكتب بغداد كتب الأعلامي الدكتور جمال الموسوي كلمات وفاء لقامة خدمت ال…








