‫الرئيسية‬ Around the world مصر / قصة قصيرة للكاتب المصري سعد جمعة – قرار ازالة –

مصر / قصة قصيرة للكاتب المصري سعد جمعة – قرار ازالة –

قصة قصيرة

قرار إزالة

مصر / بقلم : سعد جمعة

في بيتٍ عتيقٍ عند حافة مدينةٍ يبهت لونها كل يوم، كان يعيش ستة أشخاص لا يجمعهم نسب، بل تقاطع تشكّل صدفة داخل جدران واحدة.

لم يكن البيت واسعاً، لكنه كان يكفي ليؤجل أسئلتهم، ويحتمل صمتهم الطويل.

ومع الزمن، صار السؤال أعقد:

هل جمعهم المكان… أم أنهم هم من أعطوه معنى البقاء؟

جاء خبر الهدم في ظهيرة عادية.

رجل غريب، ورقة مختومة، وجملة قصيرة أنهت كل شيء.

لم يعلّق أحد فوراً.

توزعوا في البيت كما لو أن الحركة وحدها قادرة على إنكار الفكرة.

المُعلم جلس إلى ترابيزته، فتح دفاتره القديمة، ثم أغلقها دون قراءة.

الطبيبة أعادت ترتيب أدواتها بلا حاجة.

النجار مرر يده على باب صنعه بنفسه، كأنه يتحسس عمره.

الرسامة وقفت أمام لوحة غير مكتملة، ولم تضف خطاً واحداً.

الخياطة أمسكت ثوباً قديماً، تأملت تمزقاً صغيراً فيه طويلاً.

أما الشاب، فجلس في منتصف الغرفة، كأنه ينتظر أن يشرح له أحد ما يحدث.

في المساء، اجتمعوا.

لم يكن اتفاقاً، بل ضرورة.

قال المُعلم بهدوء:

– أمامنا أسبوع.

لم يُضف أحد شيئاً.

الصمت كان أوضح من أي رأي.

مرت الأيام ببطء مختلف.

ليس بطء الزمن، بل بطء الإدراك.

النجار بدأ يفك ما صنعه ثم يعيده، كأنه يتدرب على الفقد دون أن يعترف به.

الخياطة أصلحت أشياء لا تحتاج إصلاحاً، فقط لتبقي يديها مشغولتين.

الطبيبة بقيت خارج البيت أكثر مما بقيت فيه.

الرسامة بدأت ترسم وجوههم، لا المكان.

المُعلم صار أقل كلاماً، أكثر إنصاتاً.

والشاب… بدأ يكتب، ثم يمحو، ثم يكتب من جديد.

في الليلة الأخيرة، انقطعت الكهرباء. أصبحوا في غرفة واحدة، بضوء ضعيف يكفي لرؤية الوجوه فقط.

قال النجار فجأة:

– لن أخرج.

الصوت كان حاداً، بلا مقدمات.

رفع رأسه:

– كل شيء بدأ هنا. لماذا أنهيه خارجه؟

قال المُعلم بهدوء:

– لأن البداية لا تُلزمك بالبقاء.

ردّ بعصبية مكبوتة:

– لكنها تترك فيك أثراً.

اقتربت الطبيبة:

– الأثر لا يحميك من الحياة.

الرسامة وضعت لوحتها على الأرض، ثم رفعتها إلي صدرها ، وفي حالة من الارتباك، حاولت تمزيقها.

الصوت كان أخف مما توقعوا.

قالت:

– كنت أظن أنني أخلّد المكان. لكني كنت أؤجّل فقده.

وخزت الخياطة إصبعها بالإبرة.

لم تسحب يدها بسرعة.

قالت بهدوء:

– التمزق ليس المشكلة… المشكلة أن نتوقف عن الخياطة.

الشاب كان يراقبهم بصمت طويل.

ثم قال:

– أنا لم أكن خائفاً من الرحيل… كنت خائفاً من أن أبدأ بعده.

أخرجت الطبيبة قلماً من جيبها، ووضعته في يده.

“اكتب.”

جملة قصيرة. لكنها بدت كقرار.

تحرك النجار نحو الباب. وأغلقه بقوة قائلا:

– لن نخرج.

توقف للحظة.

ثم اقترب المُعلم، ووضع يده على الباب.

لم يجادله.

لم يرفع صوته.

قال فقط:

– ما نحميه خوفاً… قد يصبح سجننا.

ثم فتح الباب.

لم يخرجوا دفعة واحدة. ولا متفقين.

خرجوا واحداً تلو الآخر.

ليس اقتناعاً كاملاً. بل إدراكاً متأخراً بأن البقاء لم يعد يحمي ما يحبون.

في الصباح، جاء الهدم.

كان البيت خالياً، لكنّه لم يكن فارغاً.

على الجدار، كتبت عبارة واحدة:

“ما لا يتحرك… يُهدم من الداخل أولاً.”

***

في بيتٍ جديد لا يحمل ملامح الماضي،

جلس نفس الأشخاص في غرفة واحدة.

كان بينهم شابٌ يحمل قلماً.

نظر حوله طويلاً، ثم قال:

“أشعر أن هذه ليست البداية… بل استمرار شيء لم ينتهِ.”

ثم كتب:

“في بيتٍ عتيق …”

‫شاهد أيضًا‬

تونس/عن الوفاء احكي: للشاعر التونسي صلاح الورتاني

تونس/ كتب الشاعر التونسي صلاح الورتاني عن الوفاء أحكي كيف ضاع منا الوفاء في دنيا المتناقضا…