‫الرئيسية‬ Variety قصة قصيرة .. مملكة الفراغ الكاتب المصري : سعد جمعة

قصة قصيرة .. مملكة الفراغ الكاتب المصري : سعد جمعة

قصة قصيرة

مملكة الفراغ

مصر /. بقلم / سعد جمعة

كان في غرفته، لا كمن يسكن مكانًا، بل كمن يُحاصر في ذاكرة مادية ترفض أن تنطفئ. الغرفة لم تكن غرفة؛ بل مستودعًا خامدًا لأرواحٍ مرّت من هنا، مكدّسةً على رفوف الكتب، وفي رائحة الورق المعتّق، وفي الغبار الذي يرقص في خيوط الضوء كرماد صلاة لم تُستجب.
لم تكن العزلة عزلته، بل عزلة من مرّوا به ومضَوا، تاركينه يضطلعُ بدور أمين المتحف: يشرف على مقتنيات الآخرين، ويهمل فوضاه الخاصة.
في مساء شاحب، حين ختمَ كتابًا لم يكن يعنيه بقدر ما يعني صاحبه، انكسر صمت الغرفة بصوت لا يصدر من الخارج، بل من بئر عميقة في داخله. صوتٌ يشبه بكاء طفل نُسي في ممرات قصر هجره الوقت. لم يكن الصوت نداء، بل تذكير.
اقترب من النافذة، ومن خلف الزجاج الملطّخ بعرق الزمن، رأى وجهًا لم يره منذ زمنٍ بعيد: ذلك الطفل الذي كانه يومًا. في عينيه سؤالٌ مؤجل منذ أول خسارة لم تُشرح: لماذا انتهت بعض الأشياء؟
لكنه لم يجب كما اعتاد. لم يبحث عن عزاء جاهز. بل همس لنفسه، وكأنّه يُبلّغها قرارًا لا رأيًا: لأن ما يُولد نادرًا، لا يعيش طويلاً بلا ثمن.!
في تلك الليلة، فكّ أزرار صمته، لا ليصرخ، بل ليُصغي. أصغى لجراحه لا كأعداء، بل كأيتامٍ ينتظرون الاعتراف بهم. لم يسكّن الألم، بل وضع له مقعدًا في صالون وعيه، وسأله: من ستكون لو توقّفت عن التظاهر؟
ثم تذكّر ذلك الطفل في داخله، الذي ظلّ واقفًا في البهو، بانتظار بالغ لا يأتي، بالغ لا يسأله: لماذا تبكي؟ بل يقول له: أنا هنا.
ومع الأيام، بدأ يدرك أن الحزن، حين يُحترم، يتحوّل إلى حكمة، وأن النمو لا يشبه صعود السلالم، بل غوصًا بطيئًا نحو جذور الذات. وأصبح يرى الإشارات التي لم يكن يراها: ندى على الزجاج يرسم خريطة مجهولة، طائرٌ يغنّي لا ليسلّيه، بل ليُذكّره بأنه ما زال على الطريق.
فهم أن الثبات، إن لم يكن نابعًا من تحوّل، ليس قوة، بل خدر. وأن من لا يتغير، لا يبقى في مكانه… بل ينهار دون أن يُحدث صوتًا.
عرف أن عليه أن يكون الرجل الذي احتاجه حين كان صبيًا. أن يكون حضوره لنفسه أمرًا غير قابلٍ للتفاوض. فكم مرة أنقذَ الآخرين من ضياعهم، بينما غرق هو في ضياع نفسه!
كم مرة وعظ، وكان فمه يلفظ الحكم بينما قلبه يرتجف كورقةٍ تقاوم الريح!
كم مرة فتح الأبواب للغرباء، ونام هو في الخارج!
شيّع الجميع إلى فصولهم الجديدة، دون أن ينتبه أحد أن فصله هو لم يبدأ بعد.
حينها، تذكّر أن قلبه ليس نُزلًا، وأن روحه ليست مضافةً مفتوحة، وأن جسورَه التي عبرها الجميع قد أُنهكت. الأصالة، حين لا تُصان، تتحوّل إلى لعنة. والعمق، إن لم يُحترم، يُنهب.
لذا توقف.!
توقّف عن إنقاذ من لا يطلبون النجاة. عن تقمّص دور الشمعة، حين لم يبقَ منه إلا الفتيل. عن تبرير انكساراته بمنطق “العطاء”. أدرك أن التضحية، حين لا تُطلب، تتحوّل إلى نزيف.
توقّف عن مطاردة ظلال القبول، وعن خفض رأسه ليحصل على فتات حضور. عن نثر روحه كصدقةٍ في أسواقٍ لا تعرف قيمتها.
وتذكّر: من لا يرى النور فيك، لن يراه حتى لو احترقت لأجله.
في انكساره الأكبر، لم يسقط، بل خلَع جلده القديم. لم يعد يبرر صمته، ولا يُفسّر تحوّله. لم يعد يعتذر عن نجاته.
ابتعد. لا هاربًا، بل راجعًا إلى نفسه. رمّم الداخل، وبنى من الفراغ مملكة. وحين سُئل:
– أين أنت؟
لم يُجب.
كانت ابتسامته هي الردّ الوحيد — ابتسامةٌ عريضة – لا تشرح، بل تكشف.
ثم واصل السير، لا إلى الأمام، بل إلى جذوره.

القاهرة – الاحد
7/8/2025

‫شاهد أيضًا‬

مصر/ المعلم أبو شعبان الصعيدي يهنئ الرئيس السيسي والقوات المسلحة بذكرى تحرير سيناء

مصر / كتب المراسل الصحفي احمد شندي المعلم أبو شعبان الصعيدي يهنئ الرئيس السيسي والقوات الم…