الجزء الثاني من الرواية القصيرة.. سونة بقلم جهاد سالم
مكتب الكويت
متابعه دكتور عابدين البرادعي
كتبت الروائيه جهاد سالم
الجزء الثاني من الرواية القصيرة سونة
والفتيات يكتمن الضحكات. ناظرات له من شقوق الأبواب ومن خلف الستائر ..وكل واحدة منهن تتخيل نفسها عروسًا له وتتمناه.
الا أنا ، أضحك عليهن وأسخر من تهافتهن المجنون على ابن عمي سالم الذي اضرب عن الزواج لسبب ما يحتفظ به لنفسه ، حتى تزوج من هو أصغر منه من شباب العائلة .
تزداد الزغاريد في بيوت العائلة مع الضيوف المباركين والمباركات…وتملأ الأغاني أرجاء المكان، حيث تغني النساء أهازيج قريتنا المميزة، وعند دخول العريس صالة النساء ليلبس العروس الشبكة.
تلمع عيون الحاضرين بالفرحة و يصفقون بحرارة ويغنون :ادلع يا عريس يا بو لاسه نايلون ، ادلع يا عريس وعروستك نايلون.
وترتفع أصوات التصفيق كما ارتفعت الشمس في السماء. بينما تبتسم العروس بخجل من تحت طرحتها الشيفون المزينة. وحان وقت الوليمة، وتزينت الموائد بأشهى الأطباق. وتناول الجميع الطعام ، مهنئين ومقدمي التهاني بوجوه مشرقة بالبهجة والسرور . ومع اقتراب الحفل من نهايته،بدأت أمي في توزيع الحلويات على الجيران عادة قريتنا بعد الانتهاء من الحفل…وأعطتني طبق كبير ملئ بالحلوى قائلة لي :
أعطيه لخالتك خضرة جارتنا .
أجبتها ممسكة منها الطبق : حاضر
وأحمله على رأسي وأسير بخطى متقاربة، مرددة أغاني النساء وأكررها طول الطريق . (يا ابو لاسه نايلون ) التى سمعتها اليوم. ودون حذر مني اصطدمت قدمي بحجر على الأرض، كنت سأسقط أرضًا، لولا توازني، فرفعت جلبابي الطويل لأكشف عن خطواتي.
وصوت من خلفي قائلًا :
– احذري وانظري أمامك يا فتاة .
أجبته : أنظر أمامي ، انظر خلفي، ليس شأنك .
قال مدققًا لطبق الحلويات الذي أحمله : من أنتِ من بنات عمى ابراهيم ؟
أجبته بغطرسة : ومن أنت ؟
أجاب مبتسمًا مشيح بوجهه متعجبًا جرأتي عليه :
أنا سالم، ابن عمك.
ما إن نطق باسمه حتى شعرتُ بقلبي يقفز من صدري خوفًا، لكنني تمالكت نفسي سريعًا وبلعت ريقي لأخفي ارتباكي، ثم قلت بتصنع اللامبالاة:
– وماذا يعني سالم؟
ضحك قائلًا: أكيد أنتِ سونة، أليس كذلك؟
رفعت حاجبي استنكارًا وقلت: وماذا أيضًا عن سونة؟
ثم هممتُ بمواصلة طريقي نحو بيت الخالة خضرة، غير مكترثة بتلك الابتسامة الثقيلة التي رسمها على وجهه وهو يردف:
كما تخيلتك تمامًا… كنت على حق حين قررت أن أنتظرك حتى تكبرين.
توقفت ونظرت إليه باستغراب، حاجباي معقودان: على حق في ماذا؟
ابتسم بغموض: غدًا ستعرفين.
حدقتُ فيه لحظة، كلماته الغريبة تتردد في ذهني دون أن أجد لها تفسيرًا. تركته خلفي وأسرعت نحو بيت الخالة خضرة، سلمتها الطبق وعدتُ إلى البيت مسرعة.
عند عتبة الباب، استقبلتني أمي بنبرة عتاب: لماذا تأخرتِ؟ أمامنا الكثير لنوزعه.
أجبتها بضيق: ألا يوجد في البيت غيري؟ وصعدتُ سلّم الطين المؤدي إلى السطح.
سمعت أمي تتمتم مستنكرة: إلى أين تذهب هذه؟ لكنني لم أجب، فقط جلستُ على المقعد هناك، أفكر في سالم وكلماته المربكة.
همست لنفسي بتهكم: هذا هو الذي تتهافت عليه الفتيات؟ على ماذا؟
ثم أضفت بسخرية: حتى أنه أهبل… لا يدري ماذا يقول.
تركت الأفكار تتبخر من رأسي، ونهضتُ ناسيةً كل ما حدث.
كان البيت يعج بالضيوف مع اقتراب زواج أختيّ الكبيرتين، فاطمة وزينب. الأقارب توافدوا من القرى المجاورة، والهدايا ومستلزمات العرس ملأت كل زاوية.
لبّت الخياطة طلب أمي وجاءت لتحيك لنا جلابيب العرس المزينة بالألوان الزاهية. كان جلبابي مميزًا بلونه الأزرق الذي يشبه زرقة السماء، منقوشًا بزهور خضراء وصفراء صغيرة، يتناغم مع الإيشارب المنقوش.
حلّ يوم العرس وعلت الأغاني الشعبية، ودوّى صوت الطبل والمزمار في الجرن الذي يتوسط بيوت العائلة. اجتمع الرجال والشباب في بيوت أعمامي المقابلة، حيث تعالت الزغاريد وروائح الطعام.
مع بداية الحفل، أخذت النساء أماكنهن في الخيمة المخصصة لهن، بينما اجتمع الرجال في خيمة أخرى حفاظًا على العادات والتقاليد القروية التي تحرص على ستر النساء.
ركض الأطفال بين الخيام، وتعالت أصواتهم بالضحك واللعب. دوّى صوت طلقات النار ابتهاجًا، فوجدتني أقترب من نهاية خيمة النساء، أختلس النظرات نحو خيمة الرجال، كما تفعل باقي الفتيات.
فجأة، شعرت بيد تمسك بي من الخلف، التفتُّ لأجد فوزية تحدق بي مهددة: ماذا تفعلين؟ لو رآكِ والدكِ أو أخوكِ محمد، لذبحوكِ!
أزحت يدها بقوة واستكملت ما كنت أفعله ، وتسألني أختى عن ماذا تنظرين ؟ وتجيب على نفسها ، من المؤكد أنكِ تنظرين لأطفال في مثل سنك لتلعبي معهم !
لم أعيرها اهتمام لما تقوله. ولا تعلم أساسًا عن ماذا أنظر ؟
ولو علمت لصرتُ لها وباقي فتيات العائلة أضحوكة، لأنهن يعلمن كما تعلم باقي العائلة ، أن سونة غير باقي الفتيات، لا تشغل بالها بشباب العائلة ولا بالزواج ، ولها أفكار خاصة بها في شريك حياتها. كما أن كل الفتيات معجبة بسالم ، وكم يتمنوا أن ينظر لهن نظرة واحدة دون سونة.
العراق مكتب بغداد/ محافظ ميسان وقائد الشرطة يشرفان ميدانيا على تنفيذ خطة عاشوراء الأمنية والخدمية
العراق مكتب بغداد كتب الأعلامي الدكتور جمال الموسوي محافظ ميسان وقائد الشرطة يشرفان ميداني…







