‫الرئيسية‬ Around the world مصر / قصة قصيرة.. النافورة .. بقلم الكاتب المصري سعد جمعة

مصر / قصة قصيرة.. النافورة .. بقلم الكاتب المصري سعد جمعة

قصة قصيرة
النافورة
مصر / بقلم : سعد جمعة

على حافة الشروق، حيث يذوب الليل ببطء وسط وهج الفجر، كان الطريق الصحراوي يمتد بين الظل والنور، غارقاً في ضباب كثيف يحجب رؤية آخر الطريق.
كانت تمشي وحدها.
في يدها حقيبة جلدية قديمة، باهتة الأطراف، كأنها حملت سنوات طويلة من الذكريات. وفي يدها الأخرى جهاز صغير يبث الموسيقى، تتراقص حوله أضواء ملونة، فتبدو في قلب الضباب كأنها تحمل حفنة من النجوم.
لم تكن ذاهبة إلى مكان تعرفه الخرائط. كانت ذاهبة إلى مكان يعرفه قلبها.
منذ رحيل من أحبته، اعتادت أن تأتي كل عام في اليوم نفسه، تحمل أشياءه القديمة، وتشغل اللحن الذي كان يحبه، ثم تجلس طويلاً في المكان الذي شهد آخر أحلامهما.
كان قد أخبرها ذات يوم عن نافورة أراد أن يبنيها.
نافورة لا يخرج منها الماء وحده، بل يخرج معها الضوء، وتحيط بها الأشجار والمقاعد، ويأتي إليها كل من أثقلته الحياة ليجد فيها شيئاً من الطمأنينة.
قال لها يومها:
– إن لم أستطع بناءها، فربما تستطيعين أنتِ.
ضحكت حينها، ولم تعرف أن الكلمات ستصبح يوماً وصية.
في منتصف الطريق، ظهر رجل مسن يجلس فوق صخرة، يمسك ناياً خشبياً
توقف عن العزف عندما رآها.
نظر إلى الأضواء التي تتحرك حولها، ثم قال:
– إلى أين تحملين كل هذا النور؟
أجابته:
– إلى مكان بعيد.
ابتسم.
– أم إلى شخص بعيد؟
لم تجب.
نظر إلى حقيبتها، ثم قال:
– أتعلمين؟
أحيانًا نظن أننا نحمل ذكريات من نحب، بينما الحقيقة أن الذكريات هي التي تحملنا.
رفعت عينيها إليه.
قال:
– والمشكلة ليست في أن نتذكر الراحلين، بل في أن نتوقف عند المكان الذي رحلوا منه.
سألته:
– وماذا يفعل الإنسان إذا كان الحب هو الشيء الوحيد الذي بقي له؟
أطرق قليلاً، ثم قال:
– يجعله شيئًا يعيش بعده.
نهضت.
لم تفهم الجملة تماماً، لكنها حملتها معها.
كلما توغلت في الطريق، ازداد الضباب.
اختفت الجبال.
اختفت الرمال.
حتى الطريق نفسه بدا وكأنه تلاشى.
توقفت.
لأول مرة، شعرت بالخوف.
جلست على الأرض ووضعت الحقيبة أمامها.
فتحتها.
صور قديمة.
رسائل.
دفتر صغير.
وأوراق تحمل رسومات وأفكاراً لم تكتمل.
ثم وجدت الرسم.
النافورة.
تأملتها طويلاً.
كان حولها أطفال، وأشجار، ومقاعد، وأضواء تنعكس فوق الماء.
وتحت الرسم كلمات قليلة:
( مكان لمن يظن أن الحياة انتهت.)
شعرت بشيء ينكسر داخلها.
وفهمت فجأة.
لقد قضت سنوات وهي تحاول أن تبقى وفية لذكرى شخص رحل، بينما كان الوفاء الحقيقي أن تمنح الحياة لما تركه وراءه.
لم تكن النافورة قبراً لذكراه.
كانت نافذة على ما لم يستطع إكماله.
رفعت الجهاز.
ضغطت الزر.
انطلق اللحن القديم.
تراقصت الأضواء من حولها، وانعكست على قطرات الضباب، فبدت كأن السماء نفسها تنثر نجوماً صغيرة على الطريق.
ابتسمت.
ولأول مرة لم تشعر أن الموسيقى تعيدها إلى الماضي.
شعرت أنها تدفعها إلى الأمام.
قالت لنفسها:
– لن أبحث عنه هنا بعد اليوم.
ثم أضافت:
سأبحث عنه فيما سأصنعه.
وحملت حقيبتها ومضت.
مرت السنوات.
لم تبنِ النافورة في الصحراء. بل بنتها في قلب المدينة.
اختارت مكاناً مهملاً، لا يلتفت إليه أحد، وحولته بالتدريج إلى حديقة صغيرة. زرعت الأشجار، وضعت المقاعد، أنشأت مساحة للأطفال، وفي المنتصف، ارتفعت النافورة.
كان الماء يصعد منها عالياً، ثم يسقط في دوائر متتابعة، وتضيئه المصابيح ليلاً بألوان هادئة.
أصبحت النافورة مكاناً للمتعبين، والمحبين أيضاً، بها مكتبة يتدارس فيها الأحباب علومهم.
يجلس عندها العابرون.
يلعب حولها الأطفال.
ويتوقف عندها من يحتاج إلى لحظة صمت.
وعلى حجر صغير بجانبها، وضعت عبارة واحدة:
( بعض الغياب لا ينتهي بالحضور، بل بالأثر.)
بعد أعوام، عادت إلى النافورة وحدها.
جلست على المقعد القديم، واستعادت في ذاكرتها ذلك الصباح البعيد؛ الطريق الصحراوي، الضباب، الحقيبة، والأضواء الصغيرة التي كانت تظن أنها تحمل بها ذكرى الماضي.
ابتسمت.
كانت تعرف أن الذكرى لا ينبغي أن تكون غرفة مغلقة ندخلها كلما اشتقنا، ثم نغلق الباب علينا.
الذكرى الحقيقية هي أن نأخذ أجمل ما تركه الراحلون فينا، ونضعه في الحياة.
أن يتحول الحزن إلى فعل، إلي جمال المعني والروح، والحب إلى أثر، والفقد إلى بداية جديدة.
اقترب طفل صغير من النافورة وسألها:
– لماذا بنيتِها؟
نظرت إلى الماء.
ثم قالت:
– لأن هناك شخصاً علّمني أن بعض الأحلام لا تموت حين يغيب أصحابها.
ركض الطفل بعيداً.
وبقيت هي تحدق في الماء وهو يصعد إلى السماء، ثم يعود إلى مكانه الأول .
الماء يرتفع .. ثم يسقط .. ثم يبدأ من جديد دواليك دواليك.
فهمت عندها أن الحياة تشبه النافورة.
لا شيء فيها يبقى على حاله.
لكن ما يبدو لنا سقوطاً قد يكون طريقاً آخر للعودة.
رفعت عينيها إلى السماء، وابتسمت.
لم تعد تنتظر أحداً.
ولم تعد تسير خلف الماضي.
كانت قد وصلت أخيراً إلى المكان الذي كان عليها أن تصل إليه منذ البداية ..
إلى نفسها.

القاهرة – الخميس
13-8-2026

‫شاهد أيضًا‬

العراق مكتب بغداد* تشغيل محطتي العزيز و المعبل لتعزبز استقرار الشبكة الكهربائية في ميسان

العراق مكتب بغداد كتب الأعلامي الدكتور جمال الموسوي تشغيل محطتي العزير والمعيل لتعزيز استق…