الجزء الرابع من قصة سونة .. بقلم جهاد سالم
مكتب الكويت متابعة دكتور عابدين البرادعي.
كتبت الأديبه جهاد سالم. الجزء الرابع من قصة ( سونة )
بدأوا في تناول الطعام، بينما تجولتُ حولهم، أراقب الماء الصافي يتدفق في الجدول، صوته متناغم كسيمفونية مع زقزقة العصافير التي اتخذت من أغصان الصفصاف أعشاشًا.
وبينما أنا غارقة في تأملاتي، لمحته قادمًا من بعيد. كان يقترب، وملامحه تتضح شيئًا فشيئًا.
إنه سالم، ابن عمي. شعرتُ بسعادةٍ غامرة، كأنه لبّى نداء قلبي.
اقترب أكثر، فسارعتُ بالجلوس خلف أبي خجلًا، أحتمي به بينما أصغي إلى حديثهما.
نظر إليّ سالم بعينين قلقتين، وسألني: لا زلتِ مريضة يا سونة؟
أجبته بصوتٍ خافت: لا، الحمد لله.
لكن قلبي كان يعترف بغير ما ينطق به لساني… كنت مريضةً به، ودوائي بين يديه، ولن أجرؤ أبدًا على البوح بذلك.
قال أبي مبتسمًا: أخبرتُ أمها أن ترسلها بالغداء اليوم لتتنفس الهواء النقي فتشفى. فهي ليست كأخواتها… رقيقة المشاعر وضعيفة البنية.
التفتَ سالم ناحيتي، ونظراته لم تكن عادية. كانت نظرات حبيبٍ عاشق، عيناه اللامعتان تفضحان ما يحاول إخفاءه.
لكن أبي لم يَغب عنه ذلك، فسأله باستغراب: أأنت بخير يا سالم؟
ارتبك سالم وأبعد نظره عني سريعًا كي لا يُشك في أمره، وأجاب: نعم يا عمي، بخير.
ثم نظر إلى أبي قائلاً: سأتركك الآن لأكمل عملي، لكنني سأزورك يوم الجمعة القادم لأتحدث معك في موضوعٍ مهم.
ابتسم أبي قائلاً: نعم، يا ولدي، تشرّف. سأكون في انتظارك.
تسارعت دقات قلبي، وسألت نفسي: يا ترى، ما هذا الموضوع المهم؟ ماذا يريد سالم من أبي؟
شعرت أن الساعات ستسير ببطء شديد حتى يأتي يوم الجمعة…
عندما أقبل المساء، غادرنا الحقل وعُدنا إلى البيت. أعدّت أمي العشاء، وتجمعنا كعادتنا حول الطبلية.
بادر أبي بالحديث قائلاً لأمي: اليوم جاءني سالم في الحقل، وقال إنه سيزورني يوم الجمعة في أمرٍ مهم.
نظرت أمي إليه بتمعن، وقالت: خير، اللهم اجعله خيرًا… ربما يكون ما أفكر فيه.
تسارعت نبضاتي، ونظرتُ إلى فوزية بطرف عيني، لأجدها تنظر إليّ ببلاهةٍ، كأنها لا تدري شيئًا عما يدور حولها.
انتهينا من العشاء، وبينما كنت أهمُّ بالقيام، شدّتني فوزية من ملابسي جانبًا وهمست بخوف: “ماذا يريد سالم؟ وماذا قصدت أمي بما في بالها؟
نظرتُ إليها بعيونٍ قلقة، ثم رفعتُ كتفيّ بإشارةٍ تدل على عدم معرفتي، لكن عقلي كان يعجّ بالأسئلة.
تملكني القلق والخوف، وأصبحت الأيام ثقيلة كأنها لا تريد أن تمضي.
كنت أطرح على نفسي السؤال ذاته مرارًا: ماذا يريد سالم من أبي؟ أيريد أن يخطب فوزية؟ أم أن هناك أمرًا آخر؟
تعبتُ من كثرة التفكير، ووجدتني أتمتم: الخبر اليوم بفلوس، وغدًا سيكون ببلاش…
وأخيرًا أتى يوم الجمعة، وجاء معه سالم لمقابلة أبي.
كنت أرتجف من الترقب، قلبي يتراقص بين الأمل والخوف.
تسللتُ بخفةٍ خلف الباب، أتنصت عليهما دون أن يشعر أحد بوجودي.
قلبي يخفق بعنف، وأذنيّ تترقبان كلماتهما…
ماذا يريد سالم من أبي؟ وهل ستكون الإجابة كما حلمت أم كابوسًا أخشاه؟
قال أبي مرحبًا: أهلًا بك يا سالم. ما الأمر؟ أيوجد شيء مهم؟
أجاب سالم مطمئنًا: لا يا عمي، ربنا ما يجيب مشاكل. ماذا تراني يا عمي؟
ابتسم أبي وقال: أراك زينة الرجال يا ولدي، رجل ليس لك مثيل في القرية بأكملها.
أحضرت أمي الشاي وطلبت مني أن أقدمه للضيف. حملت الصينية واتجهت نحو المضيفة، بينما سمعت سالم يقول: جئت لأطلب منك يد ابنتك.
تجمدت قدماي في مكاني، وكادت الصينية تسقط من بين يديّ.
توقف الزمن لوهلة، وسمعت أبي يقول: فوزية؟
لكن سالم ردّ بثبات: لا يا عمي، سونة.
يا إلهي! ضربات قلبي تتسارع كطبول الحرب. هل يعقل أن ابن عمي يريدني أنا؟
كاد يغمى عليّ من هول المفاجأة.
ارتبك أبي وردّ متعجبًا: لكن فوزية أكبر من سونة.
قال سالم بثقة: أعلم يا عمي، لكني أطلب سونة، أعلم أنها الصغيرة.
بدت علامات الدهشة على وجه أبي، ونظر يمينًا ويسارًا محاولًا استيعاب الموقف. قال بتلعثم: لكن يا بُني…
قاطعه سالم بصوتٍ مكسور: أترفضني يا عمي؟
وقف أبي متوترًا وقال: لا يا ولدي، لا أحد يرفضك. فأنت خيرة شباب العائلة وزينتها. لكن سونة صغيرة، لم تكمل الثانية عشرة بعد. وأنت رفضت الزواج ممن هن أكبر منها… لماذا سونة بالذات؟
سكت سالم للحظة، وجمع عباءته أمامه وكأنه يحتمي بها من وقع السؤال.
خفض رأسه بصوتٍ خافت وكلمات مترددة: لك ما تريد يا عمي.
ثم همّ بالخروج مسرعًا، كمن يحمل على كتفيه هموم الدنيا.
وعندما اقترب من الباب، وقعت عيناه عليّ. كنت واقفة هناك، متجمدة من الصدمة والمفاجأة، نظراتي زائغة، وقلبي يرتجف.
نظر إليّ سالم نظرة حزينة، نظرة حبيبٍ لم يجرؤ أن يعترف بمشاعره.
ثم غادر دون أن ينطق بكلمة.
وقفت في مكاني كالصنم، لم أشعر بوجود أبي وأخي حتى خرج أبي غاضبًا خلف سالم، ثم وقعت عيناه على
العراق مكتب بغداد/ بجهود رائعة تم توزيع مساعدات بحضور ضابط القطاع والشعبة النسوية في مديرية الشرطة المجتمعية
بجهود رائعة تم توزيع مساعدات بحضور ضابط القاطع والشعبة النسوية في مديرية الشرطة المجتمعية …








