مصر / قصة قصيرة للكاتب المصري سعد جمعة / خطوة تحدي
مصر / قصة قصيرة
خطوة تحدي
بقلم: سعد جمعة
لم يكن الشفق مخادعاً؛ الطريق إلى القرية كان معتماً على حقيقته. دربٌ صخريٌّ يتلوى بين الحشائش البرية، وحقيبة بالية تُشدّ إلى الكتف كأنها بقايا حياة سابقة. كان يعرف ما يُقال عنه في الغياب: لماذا يختار الهامش وفي متناول يده المركز؟ لماذا يعود إلى هذا المكان فيما العاصمة تفتح أبوابها؟ ومع ذلك، كان صدره يتسع كلما اقترب من التلال التي حفظت خطوات طفولته، كأن القلب وحده يعرف جهة الوصول.
في صباحه الأول مدرساً للأدب في المدرسة الوحيدة، استُقبل بنظرة مترددة وتحذيرٍ صريح: المكان شحيح، والرواتب بالكاد تُرى، والطلاب قِلّة، وأكثرهم يتهيأ للرحيل. لم يجادل. اكتفى بابتسامة خفيفة، ووضع يده على صدره، حيث كان نبضٌ داخليٌّ يجيبه بثقة لا تفسير لها: البداية هنا.
.. مرت الأيام كما كان متوقعاً. صف شبه خاوٍ، عيون شاردة، وكتب فقدت روحها من كثرة الاستعمال. لكنه لم يتراجع. حمل معه قصصاً من مكتبته الخاصة، وبدأ يقرأ في ساحة المدرسة، تحت زيتونة عتيقة تعرف معنى البقاء. في البدء كان الصمت سيد المكان، ثم جاءت الأسئلة مترددة، ثم بدأت الحكايات تخرج من البيوت، مكتوبة بخطوط مرتجفة، لكنها حية.
في إحدى الأمسيات، وعلى الطريق الوعر نفسه، صادفه صوت مألوف يذكره بما يُقال في المجالس: ما الذي تفعله هنا؟ هذا طريق خاسر، ومكان لا يرى النور. رفع بصره إلى الأفق، حيث كانت النجوم تشقّ العتمة واحدة بعد أخرى، وقال بهدوء: العتمة ليست في الأمكنة، بل في العيون التي لا تحسن النظر.
بعد أشهر، حدث ما لم يكن في الحسبان. طالبة صامتة، اعتادت الجلوس في أقصى الزاوية، قدمت نصاً قصيراً كتبته بيدها. كان عن طائر يبحث عن وطن. في الكلمات بريق خفي، شيء نادر لا يُدرَّس. شجعها، فانتقل الشغف كعدوى جميلة. تحول الصف إلى ورشة كتابة: نصوص تُقرأ، وأصوات تُصغي، وأخطاء تُناقَش بلا خوف.
في يومٍ ما، دخل مفتش رسمي الفصل بوجه متجهم. جلس، وراقب، ثم بقي حتى نهاية اليوم. قرأ ما كتبه الطلاب بصمت طويل. وعند المغادرة، كانت المصافحة أطول من المعتاد، وكلمات الإعجاب أثقل من المجاملة: لم أرَ هذا حتى في أفضل مدارس المدينة.
بعد عام، نُظّمت أمسية أدبية. جاء أهل القرية بدافع الفضول، وبقوا بدافع الدهشة. فتيان وفتيات يقرؤون نصوصهم بثبات، عيونهم تشعّ ثقة، وكلماتهم تحمل حكمة أكبر من أعمارهم. لم يكن أحد يتحدث عن الرحيل تلك الليلة.
وفي ختام الأمسية، وقف أحد أكثر المتشككين صمتاً، ثم قال بصوت مُتهدّج: اليوم أفهم أن النور لا يأتي من مصابيح الشوارع، بل من هؤلاء الأطفال هم المصابيح هنا، ووضع يده على صدره.
في طريق العودة، كان القمر بدراً يكاد يجعل الليل نهاراً. توقّف لحظة، وتذكر وصية قديمة: النور الذي تهتدي به يسكن فيك. ابتسم وهو يرى طلابه يتقدّمونه في الطريق، كلٌّ منهم يحمل شمعة صغيرة، يضيئون بها دربهم ودرب غيرهم.
لم تحصل القرية على إنارة شوارع بعد، لكنها صارت، منذ تلك الليلة، أكثر إشراقاً من مدن كثيرة. لأن النور الحقيقي لا يهبط من الأعلى، بل يولد من الداخل، خطوةً بعد خطوة، مع كل قلب يجرؤ على أن يَسلُكَ طريقه الخاص، حتى وإن بدا للآخرين مظلماً.
القاهرة – الخميس
29-1-2026
مصر/ المعلم أبو شعبان الصعيدي يهنئ الرئيس السيسي والقوات المسلحة بذكرى تحرير سيناء
مصر / كتب المراسل الصحفي احمد شندي المعلم أبو شعبان الصعيدي يهنئ الرئيس السيسي والقوات الم…







