‫الرئيسية‬ Around the world مكتب الكويت / سنوات العمر.. انسياب عبر الزمن
Around the world - حول العالم - مقالات - 8 ديسمبر، 2025

مكتب الكويت / سنوات العمر.. انسياب عبر الزمن

مكتب الكويت  / متابعة د. عابدين البرادعي

سنوات العمر… انسياب عبر الزمن

بقلمي وشموعي
د. سيما حقيقي

من يقترب من هذه اللوحة المرسومة بطبقات بارزة، من الشمع الخام ، لا يكتفي بالنظر إلى عمل فنّي؛ بل يلامس زمنًا كاملًا يتجسّد لونًا وعمقًا وامتدادًا بصريًا وروحيًا. فهذه ليست لوحة تُعلّق على الجدار فحسب، بل نافذة تُفتح على فكرة كبيرة: كيف تنساب أعمارنا كما تنساب أوراق الشجر فوق ماءٍ جاري، دون أن نشعر بأن المسافة تغيّرت، بينما تغيّر كل شيء في داخلنا.

في اللوحات التي تتكئ على حركة الماء، لا نرى سطحًا يتماوج فقط…
بل نرى أنفسنا.

ورقةٌ خضراء تتحرّك مع التيار، تتبدّل ألوانها، وتتجه إلى مصيرها دون أن تقاوم. هكذا تلهمنا هذه اللوحة؛ لحظة تأملٍ في فكرة الانسياب عبر الزمن، وكيف تجرفنا السنوات ببطءٍ ناعم لا نشعر به، حتى نكتشف فجأة أننا قد عبرنا ضفافًا كثيرة، وتركنا وراءنا محطاتٍ لم نلتفت إليها إلا حين ابتعدت.

فالخلفية الخضراء العميقة التي تتفاوت بين الهدوء والامتلاء، ليست مجرد لون؛ إنها حياة تنمو.
طبقات الشمع السميكة ليست تقنية؛ إنها طبقات عمر نُسجت فوق عمر، مثل ذاكرة فوق ذاكرة.
والأغصان والأوراق ليست تشريحًا نباتيًا؛ إنها فصولٌ كاملة منّا.

نحن نمضي…
ولا يدرك القلب أن الزمن لا يمشي نحونا، بل نحن من ننساب فيه.

كأن سنوات العمر أوراقٌ صغيرة تطفو فوق ماء جارٍ—بعضها لمّاع لأنه مرّ على نور، وبعضها داكن لأنه مكث طويلًا في الظلال. ومع ذلك، تظل الأوراق جميعها جزءًا من نفس الغصن الذي امتد يومًا في بداية الطريق.

إن البروز اللامع للطبقات الشمعية يشبه تلك اللحظات التي ارتفعت داخلنا؛ كانعطافة حقيقية، أو فكرة مضيئة، أو دهشة غير متوقعة.
والأوراق الداكنة تشبه أيامًا كانت ثقيلة… ومع ذلك كانت جزءًا لا يُنسى من بناء أنفسنا.

نحن لا نعيش السنين… نحن نعبرها.

ولا نتركها خلفنا كما تترك الأشجار موسمًا يمضي، بل نحملها داخلنا، كأنها خزائن صغيرة امتلأت بما لا يمكن أن يُقال. فالإنجازات ليست لحظة حدوثها، بل أثرها الذي لا يُمحى، والذكريات ليست ما نتذكره فقط، بل ما تغيّر فينا بعد أن مضت.

كم من سنةٍ كنا نظنها عابرة، ثم اكتشفنا أنها شكّلت أجمل ما أصبحنا عليه؟
وكم من لحظةٍ مرّت في انشغالٍ عادي… ثم نكتشف لاحقًا أنها كانت نقطة التحوّل؟

الزمن لا يبوح إلا بعد أن يبتعد.

الأوراق التي تطفو في اللوحة ليست خفيفة كما تبدو؛ فهي تحمل أثقالًا كثيرة.
تحمل أسماء مرّت، حوارات لم تكتمل، وقرارات اتخذناها في وقتٍ لم نفهم قيمتها إلا لاحقًا.
تحمل أحلامًا نضجت، وأخرى تفتحت ثم انطفأت، وأمنيات بقيت رغم تغيّر المواسم.

لكن ما يدهش في هذه اللوحة أن كل ورقة، مهما ابتعدت، تبقى مرتبطة بالجذع الأول.
كما نحن.
نبتعد، نتغيّر، ننضج… لكننا نبقى امتدادًا لروح واحدة بدأت يومًا بخطوة صغيرة، بقرار مفاجئ، أو بحلم لم يصدق به أحد غيرنا.

وعند نهاية الطريق، حين ينخفض الضوء في الصالة ويقترب المتلقي من العمل، لا يرى مجرد حركة لونية أو خامة نادرة؛ بل يرى نفسه.

يرى مرور الأيام دون أن تتوقف، ويرى نفسه وقد عبر على سطحها دون أن يغرق، ويرى أن أجمل ما فيه ليس ما اكتمل، بل ما كان في طور الاكتمال دائمًا.

إنها لوحة لا تُعلّق على الحائط…
بل تُعلّق في الذاكرة.

تقول دون كلمة واحدة:
أن أعمارنا تطفو…
ولا تغرق.

وأن الجمال ليس في ورقة واحدة، بل في مجموعها… حين تتجاور، وتتراكب، وتتوهج.
وفي النهاية، ليس المهم كم ورقة حمل التيار،
بل كم موسمًا أضاءنا ونحن نعبر

‫شاهد أيضًا‬

تونس.. مدينة بن عروس/ اعترافات: حين يتحول النص الى مصير : تتويج مسرحي يكرس ابداع الشباب التلميذي بين عروس

تونس / كتب المبعوث الخاص لصحيفة وقناة ومجلة الموعد الجديد العالمية الأعلامي التونسي لطفي ح…