‫الرئيسية‬ Around the world مصر /قصة قصيرة: لماذ لا تبتسم: بقلم الاديب المصري سعد جمعة

مصر /قصة قصيرة: لماذ لا تبتسم: بقلم الاديب المصري سعد جمعة

مصر القاهرة / كتب الاديب المصري سعد جمعة

قصة قصيرة

لماذا لا تبتسم؟

أقلعت الطائرة من مِندوزا الدولي، المدينة التي تنام عند سفوح الأنديز، حيث يلامس الثلج قمم الجبال كما لو كان صلاةً بيضاء لا تنتهي. كانت تتجه نحو القاهرة، المدينة التي سمعت عنها كثيراً ولم أرها إلا في الكتب والصور، حتى خُيّل إليّ أنني لا أسافر إلى مكان، بل إلى زمن آخر .. حيث الفراعنة و احفادهم ، هذا الشعب الصلب الذي يرفض الأنكسار، قرأت عنه كثيراً وعن آثاره التي تُمثل قيمة تاريخية كبيرة بين آثار العالم

في الرحلات الطويلة يصبح البشر متشابهين؛ يحمل كل واحدٍ منهم حقيبةً صغيرة، وقصةً كبيرة لا يراها أحد.

جلست إلى جوار رجل لم أعرف عنه شيئًا سوي أن قسمات وجهه مصرية. لم يلتفت إليّ، ولم ألتفت إليه. كان ينظر أمامه في هدوءٍ غريب، كأن النافذة لا تُطل على السماء، بل على حياةٍ تركها خلفه.

كنتُ أنا أيضاً أحمل مدينتي في داخلي؛ رائحة كروم العنب بعد المطر، وبرودة الريح القادمة من الجبال، ووجوهاً ودعتها دون يقينٍ بأنني سأراها ثانية. لم يكن السفر بالنسبة إليّ انتقالاً بين بلدين، بل محاولةً متعثرة للابتعاد عن نفسي.

مرّت الساعات الأولى في صمتٍ كامل. لم نتبادل كلمة، ولم تلتقِ عيوننا. كان بيننا حاجز صغير، ومسافةٌ لا تُقاس بالسنتيمترات، بل بما يحمله كل واحدٍ منا من حكاياتٍ لم تُروَ.

ثم، في عمق الليل، تبدّل كل شيء.

اهتزت الطائرة بعنفٍ مفاجئ. ارتجف جسدها المعدني بين الغيوم، وانطفأت الأضواء للحظات، فابتلع الظلامُ وجوهنا جميعاً. لم يعد أحد يرى أحداً، وبدا الهواء نفسه ممتلئاً بالخوف.

انزلقت الاغطية – التي تم توزيعها علينا في بداية الرحلة – التي تغطينا بفعل الاضطراب، وامتزج طرفاها في المنتصف.

وهناك … التقت يدانا.

في البداية كان مجرد تماسٍ عابر، كأن أصبعين يسألان في خجل:

– هل أنت هنا؟

ثم لم يسحب أحدٌ منا يده.

شيئاً فشيئاً، تشابكت أصابعنا في هدوءٍ لم يكن يحمل رغبةً ولا جرأة، بل حاجةً إنسانية خالصة. كأن روحين غريبتين اتفقتا، من دون كلام، على أن تواجهَا الخوف معاً!

كان دفء كفه يعبر إلى راحتي كما تعبر النار إلى بيتٍ بردت جدرانه منذ زمن. ولم أعد أميز إن كنت أطمئنه أم أنه هو الذي كان يمنحني الطمأنينة.

طوال الليل بقينا على تلك الحال.

يدٌ تعرف يداً …وروحٌ تلامس روحاً…

أما الوجهان، فلم يلتقيا قط.

لم نحاول أن نرى ملامح بعضنا، وكأن الضوء الخافت منح تلك اللحظة قداسةً لا يجوز كسرها. كان يكفينا أن نعرف أن هناك إنساناً آخر في الطرف المقابل، يخاف كما نخاف، ويرجو النجاة كما نرجوها.

في تلك الساعات الطويلة، ونحن نعبر المحيطات والقارات، شعرت لأول مرة أن القرب الحقيقي لا يحتاج إلى العيون.

يكفي أن يجد قلبٌ قلباً آخر وسط هذه الأجواء .

وحين بدأت خيوط الفجر تتسلل من خلف النوافذ، خفّت اهتزازات الطائرة، وعادت الأضواء واحدةً تلو الأخرى.

عندها فقط…

التفتُّ إليه.

رأيت وجهًا لم يكن وسيمًا على نحوٍ استثنائي، لكنه كان يحمل ذلك التعب الذي لا تصنعه السنين، بل الخسارات. عينان هادئتان، كأنهما تعرفان الكثير، وتخفيان الأكثر.

أدركت أنني لم أقضِ الليل مع غريبٍ تماماً. بل مع إنسانٍ التقيتُ بروحه قبل أن أرى وجهه.

بهدوء، أفلتت أصابعنا بعضها بعضاً، كما لو أنها تعرف أن لكل موقف نهاية.

ظل ينظر أمامه صامتاً.

أما أنا، فقد نظرت إلي سماء الفضاء من النافذة المغلقة، وإلي الأهرامات والابراج والنيل ..

شعرت أن كل ما حدث بيننا يستحق سؤالا واحدا فقط.

اقتربت منه قليلاً، وقلت بصوتٍ خافتٍ كاد يضيع بين هدير المحركات:

– لماذا لا تبتسم؟

ساد الصمت بيننا لثوانٍ.

لم يجبني.

ظل ينظر إلى الأمام، كأن السؤال لم يكن موجهاً إليه، بل إلى عمرٍ كاملٍ قضاه وهو يؤجل الإجابة.

ثم رأيت شيئاً صغيراً يحدث. ارتجف طرف فمه، لا أكثر.

ابتسامةٌ خجولة، ولدت متأخرة، كزهرةٍ تشقُّ صخرة، ثم اختفت قبل أن تكتمل.

قال بصوتٍ خفيض:

-نسيتُ كيف أفعل. لم أعرف ماذا أقول.

بدا لي أن بعض الجراح لا تحتاج إلى مواساة، بل إلى شاهدٍ يعترف بوجودها.

ابتسمتُ أنا.

لا لأنني كنت سعيدة، بل لأن أحداً، للمرة الأولى، اعترف أمامي بأنه نسي اسلوبه إلى الابتسام.

لامست الطائرة أرض القاهرة برفق، كما لو أنها تخشى أن توقظ تلك اللحظة.

أفلتت يدانا بعضهما في هدوء.

وقف، تناول حقيبته، ثم التفت إليّ.

كانت الابتسامة الصغيرة قد عادت، أكثر وضوحاً هذه المرة.

قال:

شكرًا… لأنك سألتِ.

ثم مضى بين المسافرين.

لم أعرف اسمه.

ولم يعرف اسمي.

لم نتبادل عنواناً، ولا رقم هاتف، ولا وعداً باللقاء.

خرج كلٌّ منا إلى مدينةٍ مختلفة، وإلى حياةٍ مختلفة.

لكنني، كلما رأيتُ وجهاً غارقاً في الصمت، أتذكر تلك الليلة فوق المحيط، وأدرك أن الإنسان قد يقطع نصف العالم بحثاً عن كلمةٍ واحدة، لا تغيّر حياته كلها، لكنها تعيده إلى نفسه.

ومنذ ذلك اليوم، كلما صادفتُ عابراً يحمل في عينيه تعباً قديماً، أجد السؤال نفسه يسبقني: لماذا لا تبتسم؟

وأدرك أن بعض القصص لا تبدأ بالحب…

بل بابتسامةٍ نسيها أحدهم، وتذكرها لأن غريباً سأل عنها.

القاهرة – الاحد

5-7-2026

‫شاهد أيضًا‬

المحكمة الدولية لتسوية المنازعات انكودر ومقرها الرئبسي انجلترا لندن/ مرحبا بكم ندعوكم الى الانضمام إلى محكمتنا الموقرة حيث الامتيازات والتمير والوصول الى اعلى المناصب والعمل في وظيفة مرموقة في عالم القضاء .. وسيط سلام ..فك المناعات… تمثيل بلدك من خلال محكمتنا الموقرة … الحصول على رئاسة وحدة فضائية في بلدك .. الخ … ،،?! Hello .. How to Become councelor judge in our international court of disputes résolution

تونس/ كتبت الدكتورة ٱميرة الرويقي رئيسة مجلس الادارة والتحرير لصحييفة وقناة ومجلة الموعد ا…