‫الرئيسية‬ اخبار الكويت مكتب الكويت/ الفكرة هل هي ابتكار أم تذكر ،!؟
اخبار الكويت - 24 نوفمبر، 2025

مكتب الكويت/ الفكرة هل هي ابتكار أم تذكر ،!؟

مكتب الكويت متابعه دكتور عابدين البرادعي

((الفكرة هل هي ابتكار؟ أم تذكّر))

بقلم: د. سيما حقيقي

هناك أفكار تهبط على الوعي كطَيفٍ لم يُدرك من أين جاء، ومعانٍ تتسلّل إلى القلب كما لو أنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.

نتساءل عندها بصدقٍ لم نجرؤ على قوله من قبل:

هل هذه الفكرة جديدة فعلًا؟

هل وُلدت الآن؟

أم أنها — في مكانٍ ما من أعماقنا — كانت تُراقبنا بصمت،

تبحث عن نافذة واحدة لتعود إلينا بوجهٍ جديد؟

نكتب كلمة، نسمع لحنًا، تأتي الفكرة التي تأتي عند الفجر، فنظنّ أننا ابتكرنا شيئًا لم يكن موجودًا.

لكن شيئًا ما في داخلنا يهمس:

“لقد كنتُ هنا منذ زمن… كل ما فعلتَه أنك أعدتَ اكتشافي.”

علم النفس الحديث بدأ يقترب من هذه المساحات الغامضة التي عاش فيها السؤال طويلًا دون جواب.

ففي دراسة موسّعة قدّمتها Harvard University (2021)، تبيّن أن ما نعتبره «فكرة جديدة» هو في كثير من الأحيان نتاجٌ مباشر للذاكرة الضمنية — تلك التي لا نتذكرها، لكنها تتذكرنا جيدًا. فالإنسان لا يبدأ من الصفر كما يتخيّل، بل يبدأ من تراكم طويل من التجارب والمشاعر والرؤى التي ترسّبت في الطبقات العميقة من وعيه، ثم تعود بطريقة تبدو جديدة… لأنها تأتي بلغة جديدة.

ولعلّ ما يدعم هذا المنظور هو ما أثبتته أبحاث Stanford University (2020) التي أوضحت أن لحظة ظهور الفكرة هي لحظة تتزامن فيها ثلاث عمليات متباعدة في الدماغ:

نشاط الشبكة الافتراضية (DMN) المسؤولة عن الذكريات العميقة والخيال، ونشاط المناطق التحليلية في الفص الجبهي، ونشاط مراكز العاطفة التي تمنح الفكرة طعمها الإنساني.

فالفكرة ليست صناعة عقلية بحتة، بل تفاعل مركّب بين الذاكرة، والشعور، والتأويل… كأنها كائنٌ من الماضي يُولد من جديد.

هذا يفسّر لماذا نقول أحيانًا عن عمل فني أو نصّ أو صورة: “كأن هذا يشبهني… كأنه يعرفني.” كأن الفكرة ليست جديدة تمامًا، ولا قديمة تمامًا، بل هي جسرٌ بين ما عشناه وما لم نعشه بعد.

فالذاكرة — كما تشير أبحاث Columbia University (2019) — لا تفرّق أثناء الإبداع بين ما رأيناه بالفعل وما تخيّلناه بعمق. فالمنطقتان تعملان بالطريقة ذاتها، ولهذا تتقاطع ملامح الحلم مع ملامح الحقيقة، ويصعب أحيانًا أن نعرف: هل هذه الفكرة تجربة؟ أم حدس؟ أم ذاكرة بصياغة جديدة؟

ولذلك فإن الكثير مما نسمّيه “إلهامًا” ليس لحظة خلق،

بل لحظة انكشاف؛ لحظة نفتح فيها بابًا في الداخل فنرى ما لم نكن نراه… رغم أنه كان يسكننا كل الوقت.

الإنسان لا يبتكر من العدم، بل يعيد ترتيب ذاته، يستدعي ما نسيه، ويستخرج من الذاكرة ما لم يعرف أنّه يتذكره.

لهذا نجد أن بعض الأفكار تصدمنا لأنها “تشبهنا”، وبعض المعاني تلمس جرحًا لم نعد نتذكّر أننا حملناه، وبعض الاكتشافات تأتي كأنها قطعة مفقودة منّا… عادت إلى مكانها.

وحين نتأمل هذه الصورة بعمق، يتحوّل سؤال المقال إلى سؤال أوسع: هل نحن نخلق المعنى؟ أم أننا نعثر عليه؟

هل الفكرة ولادة؟ أم تذكّر مؤجل؟

هل العقل يفكّر؟ أم أن الذاكرة — تلك التي تعمل في الظل — هي التي تفكّر بنا أولًا، ثم تمنحنا الوهم الجميل بأننا نحن من اخترع الفكرة؟

ربما لهذا يرتجف القلب أمام جملة معيّنة، أو لونٍ محدد،

أو فكرة نسمعها لأول مرة… لكنها تلامس شيئًا قديمًا في الداخل. فالدهشة ليست اكتشافًا، بل لقاء…

لقاء بين طبقة تعرف الأشياء منذ زمن، وطبقة تراها الآن للمرة الأولى. ولولا هذا اللقاء، لما تحرك شيء فينا.

وحين نكتب أو نبتكر أو نعبّر، نكون في الحقيقة نعيد صياغة ما تركه الزمن فينا، نستدعيه من خلف الغبار، نمنحه لغة جديدة، ونقدّمه للعالم كأنه اكتشاف جديد… بينما هو نحن، كما كُنّا، وكما لم نعرف أننا كنّا.

وفي النهاية،

ربما لا تكون الفكرة حدثًا عقليًا مستقلًا، ولا ومضة تأتي من خارج التجربة، بل خيطًا خفيًا يصل الماضي بالحاضر، والذاكرة بالوعي، والإنسان بصورةٍ أخرى من ذاته. وربما المعنى الأعمق هو هذا:

أنّ الفكرة ليست ما نبتكره… بل ما نتذكّره بطريقة لا تشبه ما عرفناه من قبل.

هي اللحظة التي يعثر فيها الضوء على نافذة نسيها الزمن، فيمرّ منها ليضيء غرفةً كنّا نظنها مظلمة… فإذا بها مليئة بما لم نرَه بعد.

 وربما كانت الحقيقة التي تغيب عنّا دائمًا هي هذه:

أن الفكرة لا تزورنا لأنها جديدة، ولا لأنها وُلدت للتو، بل لأنها — في تلك اللحظة بالذات — وجدتنا مستعدين لرؤيتها.

فما نسمّيه “إلهامًا” قد لا يكون سوى اللحظة التي يتذكّر فيها القلب ما نسيه العقل،

فتلتقي الذاكرة بالوعي، ويلتقي الإنسان بنسخته الأعمق…تلك النسخة التي تركت أثرًا في الداخل، ثم ظلّت تنتظر في الظلّ إلى أن يحين وقت ظهورها.

وهكذا،

حين تشرق الفكرة فينا كضوءٍ مفاجئ، لا تكون قد جاءت من مكانٍ بعيد،

بل من أقرب نقطة في الروح… من تلك المساحة التي لا يراها أحد،

والتي نعيد اكتشافها كل مرة فنظن أننا اخترعنا نورًا جديدًا — بينما كل ما صنعناه أننا فتحنا النافذة فقط…

فأشرق الضوء الذي كان هناك منذ البداية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

‫شاهد أيضًا‬

From Miami Florida USA Dr Luis Suarez written/ humanitarian diplomacy in action : international organization and ambassador . Dr Luis Suarez join all for Venezuela ‘s humanitarian efforts

From Miami Florida US Dr Luis Suarez written HUMANITARIAN DIPLOMACY IN ACTION: INTERNATION…