‫الرئيسية‬ Variety ر واية بعنوان /روحان في جسد واحد .. بقلم الكاتبة السورية مرح حسن
Variety - الموعد الادبي - 9 سبتمبر، 2025

ر واية بعنوان /روحان في جسد واحد .. بقلم الكاتبة السورية مرح حسن

رواية بعنوان
( روحان في جسد واحد )
بقلم الأستاذة مرح حسن

​إذن أنت الآن تقرأ مذكراتي؟ لا أدري كيف وصلت إليك، ولكنها الآن بين يديك.
​يوم مشمس وجميل، السهول شاسعة والأرض قد لبست ثوبها الأخضر الفاتن. انظر إلى تلك البحيرة الساحرة، هذا هو حال سويسرا. لقد انتقلت إلى هنا منذ زمن، لم أعد أذكر كم عدد الأعوام، فبعد ليلة الرابع عشر من فبراير توقف الزمن، وتوقفت معه الأيام والشهور. لدي أصول عربية، وكنت أقطن في لبنان، دياري وموطني.
​ريتا: “استفق أيها الكسول، انهض! اليوم لدينا تجهيزات. يوووه، انهض!”
​أحمد: “ما بك يا ريتا؟ الساعة السابعة، الوقت ما يزال مبكرًا جدًا.”
​ريتا: “أظن أنك نسيت أن لدينا تجهيزات، أليس كذلك؟”
​أحمد: “لا، هذا اليوم أنتظره منذ أعوام، ولكن الموعد في الثامنة ليلًا.”
​ريتا: “كيف استطعت النوم؟ أنا لم أستطع، لقد سهرت طوال الليل.”
​أحمد: “أما أنا فقد نمت مبكرًا، أردت أن أختصر الوقت.”
​ريتا: “يا لك من كاذب، هيا انهض! أنتظرك في المقهى، لا تتأخر.”
​أحمد: “يا لك من عجولة، سأشرب قهوتي وأنطلق.”
​ريتا: “حسنًا.”
​شربت قهوتي واستمعت إلى فيروز، وتحديدًا أغنية “أنا لحبيبي وحبيبي إلي”. في كل يوم، أستمع إلى نفس الأغنية. هذه طقوسي، لدي عادات غريبة لا أستطيع أن أتخلى عنها، ومعظمها سيئ. هذا أنا، لا أحب تغيير نفسي.
​ارتديت ملابسي وانطلقت. كانت ريتا تجلس على طاولة مختلفة عن طاولتنا المعتادة.
​أحمد: “ما هذا يا ريتا؟ تعالي لنجلس على الطاولة التي تطل على النافذة.”
​ريتا: “آه، في كل مرة نفس الطاولة. ألم تمل؟”
​أحمد: “الطاولة المعتادة، المقهى المعتاد، المشروب المعتاد، وريتا المعتادة.”
​ريتا: “حسنًا، هذا يوم مميز ولا أريد أن أعكر صفوه. لكن بعد الساعة الثامنة نتحدث.”
​أحمد: “هيا، تريدين الحديث ونحن واقفان؟”
​وجلسنا على الطاولة المعتادة.
​ريتا: “ما شعورك اليوم؟”
​أحمد: “مشوش، أشعر أنني تسرعت. سأدخل القفص مبكرًا.”
​ريتا: “ماذا؟”
​أحمد: “أمزح.”
​أحضر النادل كوبين من القهوة، وجلسنا بعض الوقت.
​ريتا: “هيا يا أحمد لننطلق، الساعة الآن العاشرة.”
​أحمد: “إلى أين؟”
​ريتا: “لدينا الكثير من التحضيرات. علينا أن نشتري ثيابًا لك ولي، والخواتم. لدي الكثير في المنزل والوقت قليل.”
​أحمد: “حسنًا.”
​وذهبنا لنحضر ثيابًا لي وأحضرنا الخواتم.
​ريتا: “أحمد، اذهب أنت إلى المنزل. سأكمل وحدي.”
​أحمد: “جعلتني أنهض مبكرًا وهذا ما أكره، لتقولي لي اذهب. ثم إنك لم تشتري فستانًا لك.”
​ريتا: “أريده أن يكون مفاجأة. لا أريدك أن تراه الآن.”
​أحمد: “أنت تريدينني أن أُبهر بجمالك، أليس كذلك؟”
​ريتا: “هيا اذهب.”
​سرت إلى الأمام دون أن أتكلم، لكنني غنيت لها أغنية “أنا لحبيبي وحبيبي إلي يا عصفورة بيضا”. ثم نظرت للخلف، كانت تقف وتنظر إلي والابتسامة تملأ وجهها الجميل، ولديها غمازتان تخطفان القلوب. أكملت مسيري وعدت إلى المنزل وخلدت إلى النوم مجددًا.
​ريتا: “انظري يا أمي إلى فستاني، أليس جميلًا؟ هيا، أشعر أن هناك تجهيزات ناقصة. جدتي، غيري ثوبك من فضلك، لا أريد لأحد أن يرتدي الأسود في هذا اليوم. وأنت يا نيرمين، أغلقي هذه الموسيقى. أنا متوترة، أين أبي؟ يوووه!”
​نيرمين: “هوني عليكِ، واصعدي إلى غرفتك وأكملي زينتك. أنا سأهتم بباقي التفاصيل.”
​أحمد: “الساعة السادسة مساءً. هل نمت كل هذه المدة؟”
​نهضت، ثم استحممت، وشربت قهوتي. ارتديت الملابس التي اختارتها ريتا، ووضعت العطر الذي تحبه. لم أعد أذكر لون ثيابي أو اسم العطر. لم أعد أذكر التفاصيل التي تخصني، فذاكرتي توقفت عن تذكر أي شيء لا يخص ريتا. توقفت وأخذت معي باقة من التوليب الأبيض. كان يجب أن أحضر الجوري الأحمر، ولكن ريتا تحب زهر التوليب الأبيض. أكملت مسيري إلى منزل ريتا.
​رننت الجرس وفتح لي أخوها محمد. دخلت وكان كل شيء مثاليًا مثل ريتا؛ الزينة والطاولة، كأنها طاولة ملكية. جلست، وكان من الحضور جدتها وأختها نيرمين ووالدها وأمها. كنت متوترًا للغاية، شعرت أن الخمس دقائق صارت ساعات. “أين أنتِ يا ريتا؟”
​نزلت ريتا من على السلم، كانت ترتدي فستانًا أبيض جميلًا وشعرها الأسود المفرود يتدلى على كتفيها كأنه خيوط من الحرير. نظرت إليّ وابتسمت، وكأنها ابتسامة الرضا. كانت غاية في الجمال. وقفت واقتربت منها وأعطيتها باقة التوليب.
​أحمد: “كنت جميلة دومًا، ولكن هذه أول مرة أراك فيها بهذا الجمال.”
​ريتا: “وأنت وسيم للغاية.”
​مرت حفلة خطوبتي بسلام. أنت تتساءل لماذا كنت وحيدًا دون عائلتي؟ هذا لأنني أنتمي إلى أسرة ثرية ولها أفكارها الخاصة، يريدون أن أتزوج فتاة من الطبقة المخملية، وأنا أحب ريتا. هذا سبب خلافي مع عائلتي، وأعيش وحيدًا الآن. ريتا عائلتي ودنياي.
​ريتا: “صباح الخير يا عريس.”
​أحمد: “أنتِ، ما الذي يجعلك تستيقظين مبكرًا؟”
​ريتا: “أردت أن أسألك ما هو شعورك في أول يوم من خطوبتنا.”
​أحمد: “بالله عليكِ يا ريتا، اذهبي أريد أن أنام.”
​وأغلقت الهاتف.
​استيقظت بعد ساعة لأذهب إلى عملي، بالتأكيد بعد أن شربت قهوتي واستمعت إلى أغنيتي. أنا أعمل مهندسًا في إحدى الشركات المنافسة لوالدي. كانت بالصدفة، لأنني تقدمت لعدة وظائف وتلقيت القبول من هذه الشركة بعد أن طردني والدي من شركته.
​كانت ريتا ترسل لي الرسائل كل حين: “اشتقت إليك”، “لماذا تتأخر في الرد؟”، “هل تناولت فطورك؟”، “هل أنت متعب؟” إلخ.
​انتهى عملي وعدت إلى المنزل. “ما هذه الفوضى؟ أنا متعب، لن أنظف الآن.” أعددت القهوة وجلست. كانت حياتي فوضوية جدًا، على عكس ريتا التي كانت مثالية وتحب المثالية. كنا مختلفين مثل اختلاف الشمس والقمر. ربما هذا الاختلاف هو الذي صنع العشق. بعض الأحيان لا يحتاج المرء إلى شخص يشبه روحه تمامًا لينسجما. الاختلاف مهم. حياتي فوضوية وحياة ريتا مثالية. ريتا ترتب فوضويتي، وأنا أعكر مثاليتها. أنا غير رومانسي وبارد، وهي رومانسية جدًا تتهمّني بعدم الاهتمام. أنا بارد وممل، وهي طفلة مجنونة.
​ريتا: “أحمد، أين أنت؟”
​أحمد: “في المنزل.”
​ريتا: “تعال بسرعة، أنا في مصيبة.”
​أحمد: “ماذا حدث؟”
​ريتا: “لا وقت للكلام، تعال أنتظرك قرب الحديقة.”
​أحمد: “أنا قادم.”
​خرجت من المنزل مثل المجنون، وصلت إليها وأنا ألهث من شدة التعب. “ريتا، ماذا حدث؟”
​ريتا: “لا شيء! تعال أريد أن ألعب في حديقة الأطفال وأريد أن تحضر لي المثلجات.”
​أحمد: “أحضرتني من المنزل بهذه الطريقة لكي تلعبي؟”
​ريتا: “هيا حبيبي إنها مزحة.”
​أحمد: “مجنونة أنتِ مجنونة! هيا بنا.”
​دخلنا الحديقة ولعبت معها في الألعاب التي تحبها وتناولنا المثلجات. أوصلتها إلى منزلها وعدت إلى المنزل. كنت منهكًا، نمت وأنا أحاول أن أتذكر تفاصيل هذا اليوم المجنون.
​هذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها إلى حديقة الألعاب. ريتا مثالية ومتزنة وطفلة مجنونة. هذا ما يجعلني أحب تفاصيلها. عشق ريتا أضاف الألوان إلى حياتي السوداوية.
​الآن مرت سنة على خطوبتنا. كنت أعيش معها تفاصيل جميلة. كانت تضيف لمساتها الخاصة في كل يوم من حياتي لتجعلها أجمل.
​ريتا: “صباح الخير يا كسول، انهض.”
​أحمد: “ألم تشعري بالملل؟ في كل يوم توقظينني الساعة السابعة.”
​ريتا: “أنا ساعتك والمنبه الخاص بك. هيا انهض الآن.”
​أحمد: “حسنًا.”
​شربت قهوتي وفيروز، وانطلقت إلى العمل. وكانت ريتا ترسل لي الرسائل كالمعتاد. في كل حين رسالة من ريتا تقول: “اشتقت إليك”، “أنا الآن أشرب قهوتي”، “أنا الآن أتناول فطوري”، “هل أنت متعب؟”، “تناول فطورك” إلخ.
​عدت إلى المنزل. كنت منهكًا. نمت دون أن أغير ملابسي حتى. استيقظت الساعة الخامسة في المساء. أخذت هاتفي الجوال، ولكن هذه المرة الأولى التي لا أرى فيها رسائل من ريتا. أصابني الذهول ورننت عليها، ولكنها لم تجب. أصابني القلق، نهضت وذهبت إلى منزلها. أخبرتني جدتها أنها ذهبت مع صديقاتها. دعتني للدخول ولكنني كنت غاضبًا، وعدت إلى المنزل. كيف تخرج دون أن تخبرني؟ ولماذا لم تجب على اتصالي؟ ريتا ليس لها صديقات. أصابتني أفكار سوداوية كالمعتاد. أعددت قهوتي وانتظرت أن تتصل بي. مرت ساعات ولم تتصل ريتا. عاودت الاتصال بها ولكنها لم تجب. أشعر أنها تخفي عني شيئًا ما. هذه الساعات بدون ريتا تشعرني وكأنها أعوام. غيابها القصير بعثر حياتي. لم أكن أدرك مدى تعلقي بها إلى الآن. كانت لي ظروف خاصة مع عائلتي، عشت طفولة مشتتة. ربما احتواء ريتا لي جعلني أحبها إلى هذا الحد. كنت أنظر إلى هاتفي بين الحين والآخر حتى أنني لم أشرب قهوتي.
​وأخيرًا، مكالمة من ريتا.
​أحمد: “أين كنتِ؟”
​ريتا: “كنت مع صديقتي. ذهبت إلى المستشفى وكنت برفقتها. لم أستطع إخبارك، كنت نائمًا.”
​أحمد: “حسنًا، نتحدث غدًا. إنني غاضب الآن.”
​ريتا: “كما تشاء.”
​أحمد: “ما الذي حدث؟ كانت ريتا توقظني في كل يوم، هذه هي المرة الأولى التي لا توقظني فيها. إنني متعب، سهرت طوال الليل أنا وأفكاري السوداوية.”
​الساعة الآن الثامنة صباحًا، ولا اتصال من ريتا. إذن ما كنت أفكر به كان صحيحًا. لا، لا، لا يمكن. ريتا لا تخذلني!
​انطلقت إلى العمل وأرسلت لها رسالة تقول: “حبيبتي هل أنت نائمة؟ أنا الآن في الشركة، اشتقت لكِ.”
​الساعة الآن الحادية عشرة ولم تجب ريتا. يبدو أنها وجدت حبًا آخر يشبه روحها. أنا شخص سوداوي ولا أُطاق. أخذت إجازة من العمل وعدت إلى المنزل. كنت مشتتًا. أعددت قهوتي وأخذت سيجارة وفيروز. السيجارة صديقتي الوفية قبل أن ألتقي بريتا وأقلع عن التدخين. لم تتصل بي. كلمت جدتها وأخبرتني أنها خارج المنزل. نمت على نفسي من تعبي. وفي الصباح أرسلت لي ريتا رسالة تقول: “اعذرني، أنا منشغلة عنكِ هذه الفترة. أظن أن والدتي لديها مرض خبيث، أتمنى أن أكون مخطئة.”
​أحمد: “لا عليكي يا عزيزتي. أريد أن نخرج معًا. أخذت إجازة لبضعة أيام، أريد أن أكون بجانبك.”
​ريتا: “لا أستطيع الخروج. أنا متعبة.”
​أحمد: “حسنًا.”
​أغلقت الهاتف ونار الغيرة تحرق قلبي. لماذا يا ريتا؟
​وظلت ريتا على هذه الحال شهورًا عدة، إنها لا تحدثني وتتهرب من رؤيتي كما أنها تكذب علي. قررت أن أتعقبها وأقطع الشك الذي يكاد يمزقني. وفي اليوم التالي خرجت مبكرًا وانتظرت في الحديقة القريبة من منزل ريتا. انتظرت حتى رأيتها تخرج من المنزل. تبعتها إلى أن وصلت إلى مستشفى الأورام السرطانية. انتظرتها لعدة ساعات وأنا أشعر بالندم والخجل، كيف أظلم ريتا؟ وبعد ساعة رأيتها تخرج برفقة شاب كان يحتضنها وكانت تحمل في يديها زهرة التوليب. كانت تبتسم له، وأنا كدت أصدق أنني أظلمها. يا لها من مخادعة، سأجعلها تدفع الثمن غاليًا.
​عدت أدراجي إلى المنزل. ريتا دمرت حياتي. بداخلي بركان مستعر لن يطفئه شيء. أخذت سيجارتي وجلست أنظر إلى سقف الغرفة. تارة أضحك وتارة أبكي. هذا أنا، روحان في جسد واحد.
​اتصلت ريتا.
​ريتا: “أريد أن أراك.”
​أحمد: “لا أستطيع.”
​ريتا: “اشتقت لك.”
​أحمد: “كاذبة.”
​ريتا: “أعلم أنني أهملتك، ولكن لدي مبرراتي المقنعة. صدقني، حدثت معي ظروف خاصة، كانت أمي تعاني من مرض خبيث وكنت بجانبها طوال هذه الفترة. الآن تحسنت حالها.”
​أحمد: “حسنت سلامتها، اذهبي الآن. أريد أن أنام.”
​ريتا: “أنا أنتظرك على الشاطئ، لا تتأخر.”
​وأغلقت الهاتف. دخلت إلى فراشي واستلقيت لأنم.
​في الصباح استيقظت على رنين هاتفي. إنها شقيقة ريتا.
​نيرمين: “أحمد، ريتا قتلت، ماتت! تعال!”
​أحمد: “ماذا؟”
​كنت نائمًا على الأريكة. “أنا نمت حتى في حذائي! ماذا يحدث؟” أذكر أنني استلقيت في سريري ليلة أمس. خرجت من المنزل مسرعًا إلى منزل ريتا. لا بد أنها مزحة من٦ مزحات ريتا تريدني أن أعتذر لها، أنا أعرفها جيدًا.
​وصلت وكان منزل ريتا مزدحمًا. كان هناك الكثير من رجال الشرطة وذلك الرجل الغريب الذي كان يحتضن ريتا ليلة أمس. ما الذي أتى به إلى هنا؟ كانت عائلة ريتا منهارة تمامًا. لا أستطيع وصف المشهد. أخذوا ريتا إلى القبر. حبيبتي تحت التراب. كانت جنازة مهيبة والحزن يطوف في كل مكان. لا أدري ما سبب هذا البرود الذي أصابني فجأة.
​عدت إلى المنزل، وكان الظلام قد حل. نال الحزن مني، ولكنني لم أصل إلى حد البكاء. مر أسبوع على موت ريتا. ثمة أشياء لا تحزننا فحسب، بل تجعلنا نصمت بألم. كانت سيجارتي والقهوة رفاقي في الليل، وفي النهار أنام على نفسي من شدة تعبي.
​استيقظت على رنين جرس الباب. نهضت من فراشي وفتحت الباب. كان أحد رجال الشرطة: “سيدي، يجب عليك القدوم معي إلى مركز الشرطة. يجب أن نأخذ بعض الأقوال منك بخصوص مقتل خطيبتك ريتا.”
​أحمد: “حسنًا، امنحني بعض الوقت.”
​ارتديت ملابسي ورافقته.
​كان هناك محقق فظ عاقد الحاجبين يجلس خلف مكتبه. “ادخل يا سيد أحمد.”
​أحمد: “مرحبًا سيدي.”
​المحقق: “أهلًا، اجلس من فضلك. أريد أن أسألك بعض الأسئلة لأكمل إجراءات التحقيق، وآمل أن تساعدني.”
​أحمد: “بالطبع.”
​المحقق: “كيف كانت علاقتك مع ريتا في الفترة الأخيرة؟”
​أحمد: “كنا مثل أي عاشقين، لم يكن هناك خلافات بيننا.”
​المحقق: “هل رأيت ريتا يوم الحادثة؟”
​أحمد: “لا.”
​المحقق: “ولكن هناك اتصال بينكما قبل أن تُقتل ريتا.”
​أحمد: “نعم، اتصلت بي وأخبرتني أنها على الشاطئ وطلبت مني أن أرافقها، ولكنني لم أذهب.”
​المحقق: “هل شعرت من نبرة صوتها بشيء غريب؟ ربما كانت حزينة أو خائفة.”
​أحمد: “لا سيدي، كانت طبيعية.”
​وقف المحقق ونظر في عيني مباشرة وقال بنبرة أشبه بالصراخ: “أليس من الغريب خروج فتاة إلى مكان كهذا في ساعة متأخرة؟”
​أحمد: “نعم، إنه من الغريب، ولكن من يعرف ريتا يعلم أن هذا ليس أمرًا غريبًا بالنسبة لها.”
​المحقق: “أنت تقصد القول إنها ليست المرة الأولى التي تخرج فيها ريتا من المنزل بهذه الطريقة؟”
​أحمد: “نعم سيدي، هذه ليست المرة الأولى. ريتا فتاة طفولية ولديها أفكار مجنونة.”
​المحقق: “شكرًا لك. أرجو أن تبقى في البلاد ريثما ينتهي التحقيق.”
​أحمد: “بالطبع سيدي.”
​خرجت من مركز الشرطة وأنا أشعر بالغضب. “هل يتهمونني بقتل ريتا؟ كيف لعاشق مثلي أن يقتل روحه؟”
​عدت إلى المنزل. أخذت كوب قهوتي والسيجارة، وجلست أنظر إلى سقف الغرفة لساعات. كان ألمي الصامت يمزق ما تبقى مني. “إنني أتلاشى يا ريتا. لقد أصبحت سيجارتي وكوب قهوتي والليل أعز الأصحاب. تعال أيها الليل نبكي علينا. لا أعلم هل أنا هو أم هو أنا، كلانا مظلم وصامت.”
​وظللت حبيس منزلي لأيام عدة حتى أنني خسرت عملي. أنا سجنت نفسي وكنت وحيدًا في أيام لا يستطيع أن يتجاوزها الفرد بمفرده. حتى أنني لم أمتلك الشجاعة لأزور قبر ريتا. يطوف الحزن في دمي، ولا تكف ذكرياتها عن عقابي. لم أستطع من بعد ريتا أن أجمع ما تبقى من روحي. ارتديت الحداد على حبها وحكمت على نفسي بالموت حيًا.
​2025 فبراير – مستشفى الأمراض العقلية
​أحمد: “انظر إلى هذه اللوحة، إنها تجسد طبيعة سويسرا الخلابة. أحب الجلوس هنا أمام هذه اللوحة لساعات طوال.”
​عامر: “أعلم يا أحمد. هيا بنا، يجب أن تنام الآن.”
​أحمد: “لا أشعر بالنعاس. دعني أكمل مذكراتي.”
​عامر: “لقد كتبت مذكراتك ألف مرة، ألم تمل بعد؟”
​أحمد: “أخشى أن أنسى موت ريتا. الوحش الذي بداخلي يخيفني، أشعر أنه سوف يتغلب علي يومًا ما ويجعلني أنسى أنني من قتل ريتا.”
​عامر: “أنت لست وحشًا يا أحمد. أنت تعاني مرض الانفصام. أفعالك غير مقصودة.”
​أحمد: “روحان في جسد واحد، هذا لا يبرر أنني وحش. بداخلي شيطان، إنه متعجرف لدرجة أنه أوهمّني بأن شقيق ريتا هو عشيقها، كما أنه جعلني أبحث عن قاتل ريتا.”
​عامر: “تعال معي، لقد حان وقت النوم.”

‫شاهد أيضًا‬

العراق مكتب بغداد/ كلية القانون في جامعة ميسان تحيي الذكرى 19 بندوة علمية تؤكد دور الاكادبمي في حماية السيادة الوطنية

العراق مكتب بغداد كتب الأعلامي الدكتور جمال الموسوي *كلية القانون في جامعة ميسان تحيي الذك…