قصة قصيرة -سولة – للكاتبةجهاد سالم
الكويت / كتبت الروائيه جهاد سالم
( قصه قصيره سونه )
ابتعدت الشمس على استحياء، متوشحة برداء برتقالي يمزج دفئه بزرقة السماء الهادئة. كانت الحقول الخضراء تودّعها بحنين، وأشجار الكافور الشامخة تلوّح بأغصانها الوارفة، وكأنها تهمس للريح بحكايات الغروب. في الأفق البعيد، تردد صوت ينادي: “سونة… سونة…”، يتهادى مع النسيم، يتراقص بين أوراق الشجر، حتى بلغ أذنيها.
كانت جالسة تحت شجرة الصفصاف، حيث تتدلى الفروع الطويلة لتداعب صفحة الجدول برفق. راقبت دوائر الماء تتسع كلما ألقت بحبات الطوب الصغيرة، فتلتف حولها الأسماك الفضية، في لعبة صامتة من الدهشة والفضول. تجاهلت النداء، متشبثة بلحظات السكون، مأخوذة بروعة الطبيعة قبل أن يبتلع الغروب الأفق.
لكن الصوت عاد، هذه المرة بنبرة أكثر إلحاحًا. شعرت بشيء من القلق، فنهضت مترددة، عائدة نحو البيت. عبرت الباب الخشبي الكبير المهترئ، الذي تشع من فروقه ومضات ضوء مصباح الكيروسين، فتبدد العتمة بخفوت.
توسّطت سونة الفتيات عند طبلية العشاء ، كانت نظراتهن تلتقي في صمت مطمئن، بينما تراقبن الأب وهو يتحدث مع أخيهن الأكبر محمد. كان صوته مفعمًا بالجدية، يتساءل عن عمل الغد في الحقل، وعن حصته من الكيماوي من الجمعية الزراعية.
انتهت الأسرة من العشاء. نهضت فاطمة، الأخت الكبرى التي خُطبت لابن عمها إبراهيم، تحمل الأطباق، وتبعتها سونة للمساعدة. أما زينب، فقد كانت تعدّ الشاي على موقد الفحم، تراقب فورانه بحذر، وتهرع لانتشاله قبل أن يزعج الأب بصوته.
في زاوية الدار، جلست سونة تتأمل الظلال الراقصة على الجدران، شعرت بدفء الانتماء بين أفراد أسرتها، وراودتها أمنية بأن تتوقف لحظات المساء هذه، قبل أن يُسدل الليل ستائره الثقيلة على القرية الهادئة.
تجلس الأم قرابة الأب، قائلا لها: الجمعة القادمة سنقرأ فاتحة زينب على ابن عمها عثمان حتى تستعدي وتخبري البنت .
ردت الأم : حاضر يا حاج ابراهيم ، سأخبرها وألف مبارك يا خويا وعقبال باقي البنات .
سمعت زينب الخبر وهي تنظف أطباق العشاء، محاولة إخفاء فرحتها، و أخواتها يغمزنها يمينًا ويسارًا ويكتمن الضحكات .
وتشير لهن أمهن وتعض على شفتيها بأن يلتزمن الصمت حتى لا يسمعهن أبيهن و يسوّد عليهن ليلتهن .
مرت الليلة وكل منهم ذهب الى مضجعه والبنات دخلن حجرتهن سعيدات لخطبة أختهن زينب ، التى غمرتها الفرحة كونها فتاة وتقدم لخطبتها ابن عمها ، كما تعلمون أن العادات في القرية تمنع الفتاة من الإفصاح عن مشاعرها أو إبداء رأيها بالإيجاب والقبول. وهذا يتوقف على مدى نضج فكر الأب ومدى فهمه للدين وأحكامه دون النظر لعادات وتقاليد القرية ، مثل السماح بتعليم الفتيات أو الاهتمام بالتعليم كونه المستقبل الواعد للقرية للخروج من ظلمات الجهل والتقاليد التى تزيد الأمور تعقيدًا .
ولأن من العيب أن تُبدي الفتاة في القرية مشاعر الحب ولو لابن عمها .
دخلت الأم على الفتيات بعد أن اطمأنت بأن الأب غط في النوم وتسللت لحجرة فتياتها .
وتجمعن حولها الفتيات سعيدات قائلة لهن: “هس هس ” بصوت منخفض حتى لا يستيقظ أبيكم وأخيكم .
واحتضنت زينب وباركت لها، قائلة :عقبال لما أطمن عليكما أنتما الاثنتان.
قالت سونة: لا… لن أتزوج هكذا. لا بد أن أحبه أولًا ويحبني، ويجب أيضًا أن يكون رجلًا غير عاديًا.
ردت الأم: ومن هو إذن هذا الرجل غير العادي؟
أجابت سونة بصوت رخيم: لا أدري… لكنّه سيكون مختلفًا عن عثمان وأحمد وإبراهيم وحسان.
ضحكت الأم وقالت: ومن يكون أحمد وعثمان؟
نظرت سونة بخبث مصطنع نحو أخواتها وهمّت باستكمال حديثها…
لكن زينب سارعت إلى تكميم فمها، بينما أمسكتها فوزية من الخلف لتجلسها عنوة، وقرصنها بأيدٍ ماهرة.
تأوهت سونة من الألم، ونظرت إليهن بغضب ساخر.
راقبتهن الأم بعينين ثاقبتين، وشعرت أن هناك سرًّا يُخفينه، لكنها ابتسمت قائلة: فتياتي… أثق بهن، وأعلم أنهن لا يخطئن أبدًا، ولا يفعلن ما يضرهن أو يضرنا جميعًا.
جاء يوم الجمعة، واجتمع رجال وشباب العائلة في بيتنا.
ومنذ أذان الفجر، انشغلت أمي مع خالاتي وعماتي في إعداد المحاشي والمشويات، بينما وصلت الماشطة لتزيّن العروس.
ومن خلف الأبواب، تطلّعت الفتيات إلى شباب العائلة وهم يدخلون المضيفة واحدًا تلو الآخر، حتى دخل سالم.
بمجرد ذِكر اسمه، التفتت الأنظار:
– ادخل يا سالم يا ابني!
– تعالَ هنا، اجلس بجانبي!
وكأنه العريس المنتظر…
اختلست الفتيات النظرات من خلف الأبواب، وهنّ يراقبنه في جلبابه الواسع الذي تلمع خيوطه، والشال الملتف حول رقبته والذي كاد يصل للأرض من طوله، مع عمّة رأس بلون الجلباب.
كانت ملامحه تحمل وسامة وجاذبية، وهيبة رجل له حضور قويّ وبنية متينة.
مصر/جامعة الازهر تكرم جهاز تعليم الكبار السابق وعميدة التربية للطفولة المبكرة خلال المؤتمر الدولي للذكاء الاصطناعي
مصر القاهرة/ كتب المراسل الصحفي الاعلامي احمد شندي جامعة الأزهر تكرم رئيس جهاز تعليم الكبا…







