‫الرئيسية‬ Around the world تحليل سياسي : مواقف حركة حماس ورفضها المتكرر للتهدئة في ظل تصاعد وتعقيد الاوضاع في غزة

تحليل سياسي : مواقف حركة حماس ورفضها المتكرر للتهدئة في ظل تصاعد وتعقيد الاوضاع في غزة

تحليل سياسي: مواقف حركة حماس ورفضها المتكرر للتهدئة في ظل تصاعد وتعقيد الأوضاع في غزة

غزة فلسطين / بقلم  معتز المغاري

في سياق الأحداث الجارية، يُمكننا أن نرى كيف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواصل تعطيل أي فرص لتحقيق إنهاء الحرب على غزة، مما يعكس حرصه على استمرارية حكمه وأهداف خفيّة أخرى لا نعرفها، وهذا ربما مُبرّر له بحكم أنه يمتلك اليد العليا والقوة في الميدان. من جهة أخرى، يبدو أن حركة حماس لا تقل سلوكاً عنه، فهي تُمارس أيضاُ استراتيجيات تسويفية تهدف إلى كسب الوقت وتعزيز مواقعها السياسية ليس إلاّ من أجل الحفاظ على حكمها في غزة وفقط.

ويبدو أن هناك أسباب ومحركات متعددة وراء رفض حركة حماس المتكرر لمقترحات التهدئة والتي يتم عرضها منذ بداية الحرب على غزة خلال جلسات التفاوض المختلفة، قد تتجاوز هذه الأسباب مجرد التحفظ على صيغة البنود المطروحة، ويبدو أن موقفها الرافض يُشير إلى أهداف أوسع يتصدرها الحكم وليس أكثر!!

 

وفيما يلي بعض الأسباب أو المحركات المتعلقة في الرفض كما نعتقد.

أولاً: المناورة السياسية لما بعد الانتخابات الأمريكية: تتجه الأنظار للجميع وخصوصاً حركة حماس نحو الانتخابات الأمريكية خلال الأسبوع الجاري، والتي تأمل حركة حماس من نتائجها من أن يُؤدي تغيير القيادة أو الإدارة الأمريكية فيها إلى تحول في السياسة الأمريكية تجاه غزة، يُفضي إلى وقف إطلاق النار بصيغة تقبلها حركة حماس يُبقيها في سدة الحكم. ولكن على ما يبدو أن حركة حماس لم تنتبه أو لم تقرأ التاريخ جيداً إلى أن السياسة الأمريكية قد ظلّت ثابتة لعقود فيما يتعلق بعلاقتها بإسرائيل، و متغيرة فيما هو دون ذلك، مما يجعل هذه المناورة محفوفة بالمخاطر.

ثانياً: تاريخ الحروب على غزة والنتائج المتكررة: إذا ما نظرنا إلى تاريخ الحروب السابقة منذ عام 2008 على غزة انتهاءً بالحرب عام 2022، نجد أن نهايتها غالباً ما شهدت وقفاً لاطلاق النار من طرف واحد خصوصاً من الجانب الإسرائيلي، وذلك بعد أن استنفذت أهدافها تقريباً، يُقابلها تلقائياً وقفاً لاطلاق النار من طرف حركة حماس. وفي هذا السياق أو الشاهد هنا أن حركة حماس تظل محتفظة بزمام الحكم في غزة في اليوم التالي لتوقف الحرب، وهذا يُمثّل عاملاً مهماً لفهم استراتيجياتها الغريبة الراهنة.

ثالثاً: تأثير الاغتيالات الإسرائيلية: كما نعرف جميعنا فقد تعرضت حركة حماس لعمليات اغتيال طالت قيادات بارزة فيها ولمستويات مختلفة في هيكلية التنظيم، مما قد يكون له تأثير سلبي على عملية التواصل ما بين من تبقى من فلول وبقايا التنظيم في غزة وقيادة الحركة في الخارج، لاسيما من يُشكلّو حلقة الاتصال مع الرهائن في غزة. هذا الانقطاع ربما أضعف موقف الحركة التفاوضي، وزاد من تعقيد الأوضاع الداخلية للتنظيم وقيادته في إدارة ملف التفاوض.

رابعاً: معلومات عن الأضرار الجسيمة: يُمكن أن تكون قيادة حركة حماس في الخارج على دراية تامة بحجم الأضرار البليغة التي لحقت بالرهائن الإسرائيليين كنتيجة طبيعية للقصف المتواصل والمكثف على غزة، مما أدى إلى فقدانها لمركز قوتها التفاوضي والذي كانت تستند إليه، وبالتالي أصبح ويكأنها تفاوض إسرائيل على لاشيء، وبالتالي ربما القبول في أي تهدئة حالياً يعني انكشاف عورتها!!

خامساً: القلق من تبعات نجاح صفقة التبادل: تُدرك حركة حماس يقيناً وتماماً أن نجاح صفقة التبادل أياً كان شكلها فهي ستؤدي بالضرورة إلى تغييرات جذرية في نظام الحكم في غزة لن تكون حركة حماس أحد شواهده وأعمدته، وهذا ما يُشكل تهديداً كبيراً ومباشراً لحكمها ووجودها السياسي، بالتالي التسويف في الاستجابة لأية حلول لإنهاء الحرب على غزة هو الاستراتيجية المناسبة والفاعلة لتأخير هذا الخيار.

سادساً: رفض حركة حماس للتهدئة قد يكون متعلقاً بحسابات داخلية وخارجية أخرى مثل:

1. الحفاظ على صورتها أمام مؤيديها في غزة وخارجها: تسعى حركة حماس للحفاظ على صورتها أمام مؤيديها في غزة وحاضنتها الشعبية “المهترئة”، خاصة في ظل الدمار الذي أحدثه الحرب الضروس، وسوء وضعف التخطيط والتقدير لدى قادة الحركة لرد الفعل الإسرائيلي تجاه عملية طوفان الأقصى، وبالتالي تسعى حركة حماس من خلال رفضها لعدم الظهور بموقف الضعيف أو المتنازل أمام أبنائها وداعميها، ومحاولة لتجنب أية اتهامات بالتخلّي أو التنازل بهذه السهولة. هذه الصورة مهمة بالنسبة لقادة حماس للحفاظ على ما تبقى من ولاء القاعدة الشعبية في غزة، خاصة في ظل الخسائر المادية والبشرية الكبيرة التي تكبدتها غزة والتنظيم ذاته، وضعف امكانيات التمويل الذي كان يُشكل الأمان لموظفيها وأبنائها في غزة.

2. العلاقة مع الفصائل الفلسطينية: ربما اعتقاد لدى حركة حماس من أن استمرار القتال يُمكن أن يُعزز موقفها داخل غزة، حيث يُمكن أن يُنظر إلى مقاومتها كعلامة على القوة والشجاعة والإقدام، وبالتالي قد تؤمن بأن رفض التهدئة يضمن بقائها كقوة سياسية وعسكرية رئيسة في غزة. كما أنه من المعروف أن هناك تحالفات وتوازنات داخلية في غزة مع “فصائل المقاومة الأخرى” مثل الجهاد الإسلامي أو القوى الأخرى، والتي قد تؤيد استمرار القتال، وبالمناسبة هي تمثل رافعة رديفة وظهير لحركة حماس في الحرب، إذ يمكن أن يكون هناك ضغط داخلي من تلك الفصائل والتي ترغب وتُفضّل التصعيد بدلاً من التهدئة نظراً لارتباطها بأجندات خارجية تأتمر بإمرتها، مما يجعل حركة حماس تشعر بأنها ملزمة بمواصلة القتال للحفاظ على علاقاتها وتوازناتها مع تلك الفصائل.

3. إضعاف السلطة الفلسطينية وتهميشها في أية مفاوضات مستقبلية: قد ترى حركة حماس أن قبول التهدئة من دون شروط يُضعفها لصالح السلطة الفلسطينية “العدو اللدود”، ويُعزز موقف الأخيرة في قيادة الملف الفلسطيني دولياً، لذا فإن رفضها يأتي ربما في سياق ضمان موقعها كمفاوض أساسي ونظير للسلطة الفلسطينية، والنجاح في تجنيب إقصائها من أي اتفاقية مستقبلية.

4. التخوف من فرض شروط مجحفة: قد تكون حماس حذرة ومتيقنة من أن الموافقة على أي تهدئة في الوقت الحالي، قد تُقاد لأن يُفرض عليها شروطاً صعبة بالتوالي، كالتخلي عن السلاح، أو القبول بأية إجراءات أمنيّة قد تجعلها مكشوفة أمام إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

5. التأثيرات الإقليمية والدعم الشعبي والدولي: قد تعتقد حركة حماس أن تصعيد واستمرار المواجهة مع إسرائيل، والتمسك بمواقف صلبة يُمكن أن يجذب ويجلب مزيداً من الدعم الشعبي والإسلامي والدولى، خاصة من بعض الدول والجماعات المؤيدة لها، والتي قد تعزز من موقفها مستقبلاً وتضمن لها استمرارية التمويل والدعم العسكري.

6. حسابات إعادة الإعمار والمساعدات: قد يكون لدى حركة حماس اعتقاد بأن الرفض الحالي يُعزّز من موقفها فيما يتعلق بشروط إعادة اعمار غزة المرتقب بعد انتهاء الحرب، وبالتالي فهي ربما تتوقع أن أي قبول من طرفها لاتفاق التهدئة يجب أن يأتي ضمن إتفاقية شاملة تضمن لها السيطرة على مشروع إعادة الإعمار، أو على الأقل عدم تهميشها من احتمالية الاستفادة من مشاريع البنى التحتية والمساعدات الدولية التي من المتوقع أن تتدفق على غزة.

7. إن حركة حماس قد تسعى لتحقيق مكاسب نوعية واستراتيجية على الأرض، قد تأمل عبرها في إحراز “انتصارات” عسكرية لتعزيز موقفها العسكري، خاصة بعد الخسائر التي تكبدتها في الحرب، كفقدان بعض الرهائن تحت القصف وتحرير آخرين من قبل إسرائيل بعمليات نوعية مختلفة. ومن المحتمل أن تسعى لتعزيز موقعها التفاوضي قبل أي تهدئة جادة، مدركة أن زيادة الضغط من جانبها، بالتزامن مع الضغط الشعبي داخل إسرائيل، قد يزيد من فرصها للحصول على تنازلات مستقبلية من الجانب الإسرائيلي.

وتشهد سياسة حماس تذبذباً ملحوظاً، إذ ترفض الآن مقترحات هدنة مؤقتة وتبادل جزئي للرهائن، رغم أنها كانت قد وافقت على شبيه هذه المقترحات في الهدنة الأولى؛ ما يثير تساؤلات حول مدى اتساق موقفها وما إذا كان هذا التذبذب نتيجة اضطراب في الرؤية السياسية أكثر من كونه تكتيكاً !!

أيها السادة، إن كل تأخير من طرف حركة حماس في الحسم في عملية المفاوضات، إنما يُعد فرصة للاحتلال لخلق المزيد من التعقيدات والمزيد من الدمار. فقد باتت حركة حماس تواجه تحديات جديدة في عملية التفاوض كلما استمرت الحرب؛ فمع بداية الحرب، كانت المطالب تتمثل في انسحاب الجيش الإسرائيلي من مدينة غزة، ولكن بعد نشوء أزمة النازحين وقضية محور نتساريم، تحولت المطالب إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من مدينة غزة ومحور نتساريم. ولم تلبث إسرائيل أن افتعلت أزمة جديدة بمحور فيلادلفيا ومعبر رفح، لتُضاف مؤخراً عملية اجتياح واحتلال مخيم جباليا إلى قائمة المطالب. هكذا تواصل إسرائيل خلق أزمات متتالية في غياب استراتيجية تفاوضية واضحة وفعّالة من قبل حماس، لتجد الأخيرة نفسها في دوامة بلا نهاية، آخذه بها و بالشعب في غزة إلى الهاوية!!

في النهاية حماس تلعب لعبة معقدة أكبر من قدراتها وامكانياتها، لا تُجيدها بتاتاً وتفتقد للمعرفة والفهم في ذلك، واضعة نُصب عينيها مصلحة التنظيم فقط، وتغُطُ الطرف في ذلك عن مصلحة الشعب في غزة وغير آبهة بالدمار المخيف في الإنسان و البنيان الذي طال غزة عن بكرة أبيها.

معتز المغاري، غزة
2 نوفمبر 2024

‫شاهد أيضًا‬

فراشة حائرة / للشاعرة نهيدة الدغل معوض

فراشة حائرة… كتبت الشاعرة نهيدة الدغل معوض بين أزهار الحياة كنتُ أحلّق وحدي في فضاء …